إمامُ الوَطن: حُضورٌ لا يَعرفُ الغِياب

إمامُ الوَطن: حُضورٌ لا يَعرفُ الغِياب

بقلم:ريان إبراهيم نجم
تدقيق: هادي محمود نصّار

في خِضَمِّ الحَوادِثِ الكُبرى الّتي مَرّت بِها منطِقَتُنا، تَبقَى بَعضُ الأسماءِ محفُورَةً فِي ذاكرَتِنا، ومِن بَينِ هذهِ القَاماتِ النّادِرة، يَسطَعُ اسمُ الإمامِ المُغَيّبِ القائدِ موسى الصّدر، ذاكَ العالِمُ الجَليل، المُفكِّرُ النّابِضُ بالوَعِي، القائدُ الّذي نَذرَ حَياتَهُ للفُقَراءِ والمَظلُومين، ووَهَبَ عُمرَهُ لحِوارِ الإنسانِ مع أخيهِ الإنسان.

عُقودٌ طِوالٌ مَرّت علَى اختِفائِهِ القَسريّ، ولكنَّ قضيّتَهُ ما زالَت حيَّة، تَسكُنُ ضَميرَ الأُمَّة، وتُؤرِّقُ وجدانَها، وتَنتظِرُ عَدالةً لا تَنكسِرُ أمامَ الزّمَن. فَكيفَ لإنسانٍ مُغَيّبٍ أن يَبقَى بهَذا الحُضور؟

وُلِد السّيد موسى الصّدر في الرّابعِ مِن حزيران عام ١٩٢٨، في مَدينَةِ قُمّ الإيرانيَّة، ودرَسَ العُلومَ الدّينيّةَ والقانونَ والإقتِصاد في جامعَةِ طهران، فَتَكَوَّنَت شخصيّتُهُ الفَريدة، فَكانَ مُثقّفاً مُلتَزما، فَقيهاً عَصريّا، ولم تَفصِلهُ جُدرانُ المَعاهِدِ عن هُمومِ النّاس. وعندَما عادَ إلى لُبنان، حَمَلَ معهُ مشروعاً وطنيّاً عابراً للطَّوائف، مُؤمناً بأنَّ العَدالةَ لا تُجزَّأ، وأنَّ الكرامَةَ لا تُؤخَذُ إلا بسَعيٍ شَريف، وكَلمةٍ صادِقَة، وعَقلٍ مُستَنير.

أمَّا نَهجُهُ فَكانَ نَهجَ اعتِدال، إذ أنَّهُ لَم يَتعامَل مَع الدّينِ كَوَسيلَةٍ للتّسَلُّطِ أو الانعِزال، بَل كَمَنظومَةٍ أخلاقيّةٍ واجتماعيّةٍ غايتُها الإنصافُ ورَفعُ الحِرمان.

ومِن جَنوبِ لُبنان، حيثُ الجِراحُ قَديمَة، والمُعاناةُ مُزمِنة، بَدأ مَسيرتَهُ في تأطيرِ الحُضورِ الشّيعيّ، فأسّسَ المَدارسَ والمُستشفيات، وأطلَقَ الجمَعيّات، كَما وأنشَأَ المَجلسَ الإسلاميَّ الشِّيعيَّ الأعلى، لِيُمثّلَ الطّائِفَةَ ضمنَ مُؤسّساتِ الدَّولةِ لا علَى هامِشِها، ثُم أطلَقَ “حَرَكةَ المَحرومينَ”، لتكونَ صَرخَةً باسمِ المُهمَّشينَ في لُبنان، لا باسمِ طائفَةٍ أو مَنطِقَة.

كَما ويَرى الصَّدر أنَّ الدّفاعَ عِن الإنسانِ مِن الواجباتِ الأساسِيَّة، وأنّها لا تَقومُ بالشّعَارات، بَل بالأفعَال، ولا تَتحقّقُ بالانغِلاق، بَل بالانفِتاح، لا بالانقِسام، بَل بالوَحدةِ الوَطنيَّة. هُو ذاكَ الإمامُ الّذي جَمَعَ بَين الأديَان، وآمَنَ بأنَّ لا مُستقبَلَ للُبنانَ دُونَ العَيشِ المُشتَرَك، كَما وأكَّد علَى أنّ التّعايُشَ الإسلاميَّ المَسيحيّّ ثَروَةٌ يَجِبُ التّمسُّكُ بها.

هوَ الّذي أعطَى للمرأَةِ حُقوقَها الاجتِماعيَّة، و عمِلَ علَى محوِ الأميَّة، وجمَعَ الأديانَ دُونَ تَفريق، فَكانَ يُجسِّدُ ابنَ مَريم (ع) في الكَنائِسِ وابنَ مُحمّدٍ (ص) وعَليٍّ (ع) في المَساجِد، هوَ الّذي أسّسَ أفواجَ المقاوَمةِ اللُّبنانيّةِ “أمل” لتُدافِع عَن أرضِنا، حتّى غَدَت مُقاوَمةً يُحتَفَى بها.

وفِي الخامِسِ والعِشرينَ مِن شَهر آب عام ١٩٧٨، غادَرَ الإمامُ لبنانَ مُتوجِّهاً نَحو ليبيا مَع رَفيقَيهِ بدَعوَةٍ رسميَّة. وفي الواحِدِ والثّلاثينَ مِن الشَّهرِ عَينِه، انقَطَعَت أخبارُهُم، ودخَلَت قضيَّةُ الاختِطافِ فِي دَهالِيزِ الصَّمتِ والكِتمان، لتَتَحوّلَ إلى أبرَزِ القَضايا الإنسانيّةِ والسِّياسيَّة في تاريخِ لُبنان.

سبعَةٌ وأربعونَ عاما، ولا تَزالُ حَقيقَةُ قضيَّةِ الإمامِ مَخفيَّة، في مَشهَدٍ لا يَزيدُ إلا مِن مَرارةِ الغِيابِ والوَجع. إنَّ تَغييبهُ لَم يَكُن تَغييباً لشَخص، بَل لِنَهجٍ كامِل، لفِكرٍ مُتأصِّلٍ مِن أرضِ كَربلاء، لِصَوتٍ اعتادَ أن لا يَقولَ إلا كَلِمَةَ الحَقّ. هو صاحِبُ النّهجِ الإيمانيِّ الحُسينيِّ الرّساليّ، فَكيفَ سَيغيبُ نَهجُه، وهوَ نَهج آل البيتِ (ع)، وأجيالٌ تَرعرعَت على فِكرِهِ وأحبّتهُ بالفِطرَة.

اليَوم، وبعدَ كُلِّ هذهِ السَّنوات، لا تزالُ كَلِماتُ الإمامِ تُدرَس، ومُؤسّساتُهُ قائِمَة، وتَلامذتُهُ أوفياءٌ للخطِّ ولِلنَّهج.
قضيّتُهُ لم تَكُن قضيَّةَ اختِطافٍ لِرَجُل، بَل مشروعٌ وطنيٌّ يُرادُ لهُ أن يُطفَأ. لكِن، كَما في كُلِّ القَضايا العادِلَة، فإنَّ الزّمنَ لا يُنهِي الحَقّ، ولا يَطوي الذّاكِرَة، سيَظلُّ الإمامُ حاضِراً فِي قلوبِنا وعُقولِنا، في المَواقِفِ النّبيلَة، وفِي كُل سَعيٍ صادِقٍ نحوَ الحُريَّة، نحوَ وَطنٍ أكثَرَ عَدالَة.

وإلى أن تُكشَفَ الحَقيقَة، وتَعودَ الكَلِمةُ إلى صاحِبِها، سَنبقَى نُردِّد: السَّلامُ عليكَ يا إمامَ الحُضورِ الدَّائم، يا إمامَ المَحرومين، يا إمَام الغِيابِ القَسريّ، يا مَن أسمَيتَنا أمَلا، فَكُلّنا أملٌ بِعودَتِك يا إمامَ الأمَل. فَهل سَيَطولُ غيابُك؟ أم سَتَعودُ ونَلتَمِسُ خَيطاً مِن عَباءتِك؟