الكلِمةُ فِي مَرمى القَصف

الكلِمةُ فِي مَرمى القَصف

بقلم: زهراء عبّاس أبوزيد
تدقيق : فاطمة محمّد صالح الموسويّ

فِي يومٍ آخرَ يُضافُ إلَى سِجِلِّ الألَم، يتكرَّرُ الإستِهدافُ ذاتُه، لكِن هذهِ المرَّةَ بِوُضوحٍ أشدَّ وقَسوةٍ أكبَر. الإعلامِيّون، الّذينَ يُفترَضُ أنْ يَكونوا مَحميّينَ بِموجبِ كلِّ القَوانينِ والأعرَاف، يَتَحوَّلونَ إلَى أهدافٍ مَكشوفةٍ تحتَ نيرانٍ لا تَرحم. ومِن بينِ هَؤلاء، تبرُزُ أسماءٌ كَـ “علي شعيب ،فاطمة ومحمد فتّوني” ، لا كأسماءٍ عابِرة، بَل كرُموزٍ لِلحقيقةِ الّتي تُستَهدفُ لأنَّها تُقال.

الكَاميرا الّتي تُنقَلُ بِها الحَقيقة، تُقابَلُ بِالصّـ..واريخ. الصّوتُ الّذي يُفترَضُ أن يُسمَع، يُحاصَرُ بِالقصف. كأنَّ الرِّسالةَ واضِحةٌ ومقصُودة : لا صُورةً يجبُ أنْ تَصِل، ولا شَهـ..ادةً يجبُ أنْ تُروى. إنَّها ليسَت مُجرَّدَ اعتداءاتٍ عَشوائيّةٍ، بَل مُحاولةٌ مُمنهجةٌ لِطمسِ الواقِع، لإخفاءِ مَا يَجري، ولقَتلِ الحقيقةِ قبلَ أنْ تُولَدَ فِي عيونِ العالَم.

الإعلاميُّ اليومَ لا يَقِفُ خلفَ الحَدث، بَل فِي قلبِه. يَعيشُ تفاصيلَهُ لحظةً بِلَحظة، يتَنقَّلُ بينَ الرُّكام، يُوثِّقُ الألَم، ويَنقُلُ وجعَ الناسِ كمَا هُو، بلا تَزييفٍ ولا تَجميل. يَحمِلُ الكَاميرا كَمَن يَحمِلُ روحَهُ علَى كفِّه، مُدرِكاً أنَّ كلَّ خُطوةٍ قَد تكونُ الأخِيرة، ومعَ ذلِكَ يَستمرّ. ليسَ لأنَّهُ لا يَخاف، بَل لأنَّهُ يُؤمِنُ أنَّ نَقلَ الحَقيقةِ واجِب، حتَّى لَو كانَ الثّمنُ حياتَه.

“علي شعيب ،فاطمة ومحمّد فتوني” ، وغيرُهُم كثُر، لَم يَكونوا يوماً جُزءاً منَ المَـ..عركة، بَل شُهوداً علَيها. ومعَ ذلِك، يتمُّ التَّعاملُ معهُم كأهدَاف، وكأنَّ الكَلِمَةَ أخطرُ منَ الرَّصـ..اص، وكأنَّ الصُّورةَ أقسَى منَ الصَّـ..اروخ. هَذا التَّحوُّلُ الخطيرُ يَكشِفُ حجمَ الخوفِ منَ الحَقيقة، ويُظهِرُ إلَى أيِّ مدىً يمكنُ أن يَصِلَ السَّعيُ لإسكاتِها.

ما يَحدُثُ اليومَ لا يمكنُ تبريرُهُ تحتَ أيِّ مُسمًّى. ليسَ خطأً عابِرا، ولا حادثاً فَرديّا، بَل نهجٌ يَتكرَّر، يَحمِلُ فِي طيّاتِهِ رِسالةً واضِحة: إسكاتُ الإعلامِ بكلِّ الوسَائل. وهُنا يُطرَحُ السؤالُ الأكبَر، الّذي يَبقى بِلا إجابَة : مَن يَحمي مَن يَنقُلُ الحَقيقة؟ ومَن يُحاسِبُ مَن يَستهدِفُها؟

ورغمَ كلِّ ذلِك، لا يَتراجَعُ الإعلامِيّون. يَستَمرّون، لأنَّ التَّراجُعَ يعنِي أنَّ الحقيقةَ ستُدفَنُ تحتَ الرُّكام، وأنَّ صوتَ الضَّحايا سيَضيعُ فِي الصَّمت. فِي صمودِهِم، قوَّةٌ لا تُقاسُ بالسِّـ..لاح، بَل بالإرادة. فِي حضورِهِم، رسالةٌ للعالَمِ أنَّ هناكَ مَن لا يَزال يَروي، يُوثِّق، ويُقاوِمُ بالنَّقلِ والكَلِمَة.
فِي زمنٍ تُستهدَفُ فيهِ الحقيقةُ نفسُها، يُصبِحُ الصَّمتُ خيانةً لا تُغتفَر، ويُصبِحُ نَقلُ الصُّورة، مهمَا كانَ الثَّمن، فِعلاً مِن أفعالِ المُـ..قاومَة.