بقلم: نيللي جهاد كولكو
تدقيق : فاطمة محمّد صالح الموسويّ
منذُ سنَوات، يشهدُ لبنانُ تراجعاً مُقلقاً فِي مَعاييرِ السّلامةِl الغِذائيّةِ والمُراقبةِ الصّحيَّة، وسطَ انتشارِ الشَّكاوى مِنَ التّسمّمِ الغِذائيِّ فِي المَطاعمِ والمُستشفياتِ والمَصانِع، وغِيابِ المُحاسبةِ الحَقيقيَّة. وعلَى الرّغمِ منَ التّصريحاتِ المُتكرّرةِ منَ الوِزاراتِ المَعنيّة، فإنَّ الواقعَ يُثبِتُ أنَّ الفَسادَ والمَحسوبيّاتِ مَا زَالا يحكُمانِ المَيدانَ الصّحّيّ، تَاركينَ المُواطنَ فِي مُواجهةِ الخطرِ اليوميّ علَى صحّتِه.
فَوضى غِذائيّةٌ وحَالاتُ تسمّمٍ مُتكرّرةٍ (2023 – 2025)
خلالَ الأعوامِ الثّلاثةِ الأخيرَة، شهدَ لبنانُ ارتِفاعاً مَلحوظاً فِي عددِ حالاتِ التّسمّمِ الغِذائيّ المُبلَّغِ عنهَا. فِي صيفِ 2023، سُجِّلَت عشَراتُ حالاتِ التسمّمِ في أحدِ مطاعمِ الوجباتِ السّريعةِ الشّهيرةِ فِي “صَيدا” بعدَ تَقديمِ وجَباتٍ غيرِ مَطهيّةٍ بِشكلٍ كَاف. العَائلاتُ الّتِي تضرّرَت قدّمَت شَكاوى لَم تلقَ أيَّ استِجابةٍ مِن وزارةِ الصّحّة.
فِي عامِ 2024، تكرّرَتِ الحادِثةُ فِي مِنطقةِ “جبيل”، حيثُ تعَرّضَ أكثرُ مِن أربَعينَ شَخصاً لِلتّسمّمِ إثرَ تناولِهِم مَأكولاتٍ فاسِدةٍ فِي مَطعمٍ ساحِليٍّ مَعرُوف. المُفاجأةُ أنَّ المَطعمَ لَم يُغلَق سِوى لِيومينِ “إجراءً شَكلِيّا”، ثمَّ أُعيدَ فتحُهُ بِدعمٍ مِن أحدِ النّوّابِ الّذِي تدخّلَ بحجّةِ “عدمِ الإضرَارِ بِالسّياحةِ المَحليّة”.
أمَّا فِي عامِ 2025، فقَد انفَجرَت أزمةٌ أكبرُ، بعدما أُصيب أكثرُ من ثلاثُمئةِ شخصٍ فِي مُختلفِ المَناطقِ بَحالاتِ تَسمّمٍ خِلالَ الصَّيفِ بِسببِ حَرارةِ الطقسِ وسوءِ التّخزِين، كمَا ذكرَ تقريرُ “قناةِ LBCI”. العَديدُ منَ الضَّحايَا أُدخِلوا إلَى المُستَشفيات، ولكِن لَم تُفتَح أيُّ دعَاوى قَضائيّةٍ بحقِّ المُؤسّساتِ المُتسبّبة. وفِي البِقاع، تمَّ ضبطُ مَصانعَ غيرِ مُرخّصةٍ لإنتَاجِ الألبَانِ والأجبَانِ تَبيعُ مُنتجاتٍ مُلوّثةً بِجراثيمَ خَطيرَة. ورغمَ تَوقيفِ أصحَابِهَا مُؤقّتا، إلّا أنَّ مُعظمَهُم “فَرشوا الدَّولة” — أي دفَعوا رشَاوى — وأعَادُوا فتحَ مَصانعِهِم كأنَّ شَيئاً لَم يكُن.
وزاراتٌ عاجِزةٌ ونوّابٌ يتحَدّثون… دونَ فِعل
علَى مَدى السّنَواتِ الأخِيرَة، خرجَ العَديدُ منَ المَسؤولينَ بِوعودٍ فارِغَة. الوَزيرُ السَّابقُ “فراس الأبيض” صَرّحَ فِي عامِ 2024 أنَّ الوِزارةَ “تعملُ علَى تَطويرِ نِظامِ المُراقبةِ الغِذائيّة”، لكِن لَم يُشاهَد أيُّ تَطبيقٍ فِعليٍّ لِهَذا النِّظام.
النّائبُ “بولا يعقوبيان” غرّدَت مطالِبةً بِمُحاسبةِ أصحَابِ المُؤسَّساتِ المُخالِفة، مُتسَائلة: “كيفَ يُسمحُ لِمطاعمٍ تَسبّبَت بِتسمُّمِ النَّاسِ أنْ تعُودَ وتفتَحَ بعدَ أسبُوع؟”.
النّائبُ “حسين الحاج حسن” انتقَدَ مَا سمّاهُ “تَواطُؤَ بعضِ الأجهِزةِ الرّسميَّةِ معَ رِجالِ الأعمَالِ الكِبار”، مؤكِّداً أنَّ بعضَ المَصانِعِ “مَحميّةٌ سِياسِيّا”.
النّائبُ “إبراهيم منيمنة” دَعا فِي لِجنةِ الصّحّةِ النّيابيّةِ إلَى نشرِ أسماءِ المُؤسّساتِ المُخالِفةِ علَنا، مُعتبِراً أنَّ التّكتُّمَ يحرِمُ النّاسَ مِن حقِّهِم بِالمعلُومة.
الوزيرةُ السّابقةُ “منى عفيش” قالَت إنَّ “المُراقبةَ الصّحيّةَ فِي لُبنانَ شَكليَّة، والمُفتّشُون يُرسَلونَ فقَط لإبتِزازِ أصحَابِ المَصالِحِ الصَغيرَة”.
وفِي تَقريرٍ رسمِيٍّ صدرَ عَن لجنةِ الإقتِصادِ النّيابيّةِ فِي تِشرينَ الأوّلِ 2025، كَشفَ أنَّ وِزارةَ الإقتِصادِ وَجدَت 476 مُخالفةً لِسلامةِ الغِذاءِ خِلالَ عامٍ واحدٍ فقَط، فِي حينِ أنَّ عددَ الإغلاقَاتِ الفِعليّةِ لَم يتجَاوز 14 مؤسَّسة.
الرّشَاوى والمَحسوبيّات: كيفَ يُفتَحُ مَا أُغلِق؟
مِن أبرَزِ مظَاهرِ الفَسادِ فِي هَذا الملفِّ إعادةُ فتحِ المُؤسّساتِ الّتِي أُغلِقَت بِقراراتٍ صحّيَّة.
فِي إحدَى الحَالاتِ المُوثّقةِ عامَ 2024، تمَّ إقفَالُ مَصنعٍ لِتعبِئةِ اللّحومِ فِي ضَاحيةِ بيروتَ الجَنوبيّةِ بعدَ اكتِشافِ لحمِ دجاجٍ غيرِ صالِح. وبعدَ أسبُوعينِ فقَط، عادَ المَصنعُ إلَى العملِ “بعدَ وسَاطةٍ مِن جهةٍ سياسيّةٍ نافِذَة”.
وفِي البقاعِ الأوسَط، جَرى إغلاقُ مَطبخٍ جَماعيٍّ يُوزّعُ وجباتٍ علَى المَدارِس، ثمَّ أُعيدَ افتَتاحُهُ دونَ أيِّ تَعديلٍ فِي ظُروفِ العَمل. قالَ مَصدرٌ داخِلَ وِزارةِ الصِّحّة، طلبَ عدمَ ذكرِ اسمِه: نحنُ نَكتبُ المَحاضرَ ونَرفعُها، لكنَّ بعضَ المَلفّاتِ تتَوقّفُ فِي مكتبِ أحدِ المُستَشارين، وهُناكَ تَنتَهي الأمُور… مَن يدفعْ يَنجُ ومَن لا يملكْ يُغلَقْ عَملُه.
رأيُ المُواطِنين: غَضبٌ وصَمت
المُواطنُ اللُّبنانيُّ يَعيشُ بينَ الخوفِ واليَأس. علَى وسَائلِ التَّواصُل، تَداولَ النّاسُ قِصصَ التَّسمّمِ فِي عائلاتِهِم، فيمَا أطلَقَ ناشِطونَ وسماً بعُنوانِ #حاسِبوا_السُّمّ، طالبُوا فيهِ بِمحاسبةِ أصحابِ المَطاعمِ المُتورِّطين. إحدَى الأمّهَات، السّيّدةُ “رانيا خوري” منَ “المتن”، قالَت: ابنِي تَسمّمَ مِن وجبةِ دجاجٍ مِن مطعمٍ شَهير، بقيَ فِي المُستشفَى مُدّةَ يَومَين ، والمَطعمُ اليومَ ملِيئ بالزَبائنِ كأنَّ شَيئاً مَا كَان. أمَّا أصحَابُ المَصالِح، فَيرونَ أنَّ المُراقبةَ الصّحيّةَ “تُطبَّقُ انتِقائيّا”. أحدُ أصحابِ المَطاعمِ في “بيروتَ” صَرّح: “بيجو بيطلبوا قسيمة، وإذا ما دفعت بيسكّروا المحلّ. بس غيرنا مدعومٌ من نائب وبيمشي الحال”.
مُؤسّساتٌ أُغلِقت… ثمَّ عادَت للحَياة،مِن الأمثلةِ البارِزة:
“مَسلخُ طربول” فِي “البِقاع”، الّذِي ضُبطَ فيهِ سِتّةُ مُوظّفينَ يعدّونَ لُحوماً فاسِدةً عامَ 2025، لكنَّهُ عادَ للعَملِ بعدَ شهرٍ فقَط بِحجّةِ “تصحيحِ الوضعِ الصّحّيّ”. مطعمُ “الزّعيم” فِي “صيدا”، أُغلقَ بعدَ حَالاتِ تَسمّمٍ عامَ 2023، ثمَّ أُعيدَ افتَتاحُهُ رغمَ تَقاريرِ وِزارةِ الصّحّةِ الّتِي أكّدَت وجودَ بكتِيريا Salmonella. مَصنعُ ألبانِ “البِقاع ديري”، أُغلق سنةَ 2024، لكنَّهُ عادَ لِلعملِ بعدَما تدخّلَ نائبٌ مِن المِنطقةِ لِتسويةِ المُخالفةِ إدَاريّا.
توصِياتٌ واستِنتاجات
١- إنشاءُ هَيئةٍ وطَنيّةٍ مُستقلّةٍ لِلسلامةِ الغِذائيّةِ تضمُّ مُختبراتِ مُراقبةٍ لا تتبعُ لأيِّ جهةٍ سِياسِيّة.
٢- نشرُ لائحةٍ شَهريّةٍ عَلنيّةٍ بِالمُؤسّساتِ المُخالِفة.
٣- تَغليظُ العُقوباتِ بحقِّ المُخالفينَ وصولاً إلَى السّجِن، لا الإكتِفاءُ بالغَرامات.
٤- رفعُ أجورِ المُراقبينَ الصّحّيّينَ لِتقليلِ الرّشوةِ وضَمانِ النّزاهَة.
٥- تَعاونُ البَلديّاتِ والمُجتمعِ المَدنيِّ فِي الكشفِ عنِ المُؤسّساتِ غيرِ المُرخّصَة.
٦- إعادةُ النّظرِ فِي دورِ وِزارةِ الصّحّةِ وجَعلِها جهةً تَنفيذيّةً رَقابيّةً حَقيقيَّة، لا مُجرّدَ هيئةٍ تَنشرُ بَياناتٍ إعلامِيّة.
صِحّةُ المُواطنِ ليسَت خياراً سِياسيّا
لبنانُ لا يحتاجُ إلى بياناتٍ جديدَة، بل إلى إرادةٍ حقيقيّةٍ للمُحاسبة.فما قيمةُ القوانينِ إن كانت لا تُطبَّقُ إلّا علَى الضُّعفاءِ؟ ومَا جدوَى الوزاراتِ إن كانت تُغلِقُ مؤسّسةً اليومَ لتفتحَها غداً بدعمِ نائبٍ أو وزيرٍ؟ إنّ المعركةَ من أجلِ المراقبةِ الصحيّةِ في لبنانَ هِي معركةٌ ضدَّ الفسادِ قبلَ أن تكونَ معركةً ضدَّ الجَراثِيم.
