داخل بيوتِ الدّ عارةِ فِي لُبنان: صمتُ المُجتمعِ بينَ القانونِ والتّسيّب

داخل بيوتِ الدّ عارةِ فِي لُبنان: صمتُ المُجتمعِ بينَ القانونِ والتّسيّب

بقلم: نيللي جهاد كولكو
تدقيق : فاطمة محمّد صالح الموسويّ

فِي بلدٍ يُعرفُ بتعدّديّتِهِ الثّقافيّةِ والإجتِماعيّة، تبرزُ ظاهرةُ بيوتِ الدّعارةِ كواحِدةٍ مِن أكثرِ الملفّاتِ الإجتِماعيّةِ تَعقيداً وإثارةً للجَدل. هذهِ الشّبكاتُ الّتِي تَعملُ خلفَ واجِهاتٍ تًبدو غيرَ مَشبوهَة، ليسًت مُجرّدَ قِصصٍ فَرديّةٍ بَل تمكّنَتْ عبرَ السّنواتِ مِن خلقِ واقعٍ خَفيٍّ يتَداخلُ فيهِ الإستِغلال، نقصُ الرَّقابَة، وضعفُ الحِمايةِ القَانونيّة. والسُّؤالُ الّذِي يَطرحُ نفسَهُ بقوّةٍ أمامَ اللُّبنانيّينَ اليومَ هُو: كيفَ يُمكنُ لِبلدٍ يُعلنُ مُكافحةَ الفَسادِ والانتِهاكاتِ أن يترُكَ شَبكاتِ استِغلالٍ تنتَشرُ تحتَ أنظارِ الجَميعِ دونَ ردعٍ حَقيقيّ؟

تحوّلُ النّشاطِ وشَبكاتٌ جَديدة.

فِي السّنواتِ الأخِيرة، لَم تعدِ الدّعارةُ فِي لُبنانَ مُقتصِرةً علَى أزقّةٍ مُعيّنَة؛ بَل تَعملُ مِن خِلالِ شُققٍ وفَنادقَ ومَراكزِ تَدليكٍ تُموَّهُ بواجُهاتٍ غيرِ مَشبوهَة، وتُدارُ عبرَ حِساباتٍ ومَجموعاتٍ عَلى “السّوشال ميديا”، مِمّا يَجعلُ تتبُّعَها صعباً ويُضعفُ الرّقابةَ عليهَا.

مُداهماتٌ وأوامِرُ قَضائيّة

السُّلطاتُ الأمنيّةُ فِي لُبنانَ نفّذَتْ عِدّةَ حَملاتٍ فِي السَّنواتِ المَاضيةِ لكَشفِ أوكارِ الدَّعارةِ والتَّوقّفِ عندَ حُدودِ القَانون: فِي أكتوبرَ 2025 داهمَتْ مَركزَ تَدليكٍ فِي جُونيه بعدَ مَعلوماتٍ عنِ استِغلالِ نِساءٍ بغرضِ الدّعَارة، وأُلقِيَ القَبضُ علَى أربعِ نِساءٍ مِن جِنسيّاتٍ مُختلفةٍ وأُحيلَتِ القَضيّةُ إلَى القَضاء. فِي عَمليّاتٍ سَابِقة، كشفَ مَكتبُ مُكافحةِ الاتّجارِ بِالأشخاصِ وحِمايةِ الآدابِ عنِ اعتِقالِ أكثرَ مِن 18 فتاةً أثناءَ عملِهِنَّ فِي أحدِ فِنادقِ بَيروت، وتمَّ ختمُ المَكانِ بِالشَّمعِ الأحمَر. هذهِ الإجراءَاتُ أعادَتْ إلَى الأذهَانِ حمَلاتٍ أقدَم، مثلَ إغلاقِ 13 وكراً لِلدَعارةِ فِي المعامِلتينِ وقضاءِ كِسروانَ عامَ 2016 بأوامِرَ قَضائيَّة، بعدَ أنْ تَبيّنَ تَورّطُهَا فِي الاتّجارِ البَشريِّ والعنفِ ضدَّ النِّساء.

شَهاداتُ مُنظّماتٍ حُقوقِيّة

مُنظّماتٌ غيرُ حُكوميّةٍ تَعملُ علَى حِمايةِ حُقوقِ النِّساءِ والضَّحايَا تُؤكِّدُ أنَّ أغلبَ العامِلاتِ فِي هذهِ الشَّبكاتِ يأتِينَ مِن خلفِيّاتِ فَقرٍ أو نُزوحٍ أوْ هَشاشةٍ اجتِماعيَّة، وتُستغلُّ احتِياجاتُهُنَّ الإقتِصاديَّةُ للوصُولِ بِهِنَّ إلَى مَراكزِ الدَّعارَة. هَؤلاءِ المُنظّماتُ تُطالبُ بِتقويةِ حِمايةِ القَانون، وعدمِ الاكتِفاءِ بالمُداهَماتِ الأمنِيّةِ فقَط. وفقاً لِتقاريرِهَا، كَثيرٌ منَ النِّساءِ لا يَتلقّينَ دعماً قانُونيّاً أو نَفسيّاً بعدَ الخُروجِ مِن هذهِ الشَّبكَات، مِمّا يضعُهُنَّ فِي دائِرةِ خَطرِ العَودةِ أوِ الوقُوعِ فَريسةً لآليَّاتِ الإستِغلالِ نَفسِهَا.

بينَ القانُونِ والمُمارسَة

القانُونُ اللُّبنانيُّ يُجرِّمُ التَّعاطيَ والتَّسهيلَ للإتجَارِ فِي الدَّعارةِ ويُعدُّ ذلِكَ جَريمةً يُعاقبُ عَليهَا، لكِنَّهُ غيرُ واضِحٍ فِي الكًثيرِ مِن تَفاصِيلِه، مِمّا يَخلقُ ثَغراتٍ يُمكِنُ للشَّبكاتِ استِغلالُها. الحَديثُ لا يقتَصِرُ علَى شَبكاتٍ صَغيرةٍ فقَط، بَل امتدَّ إلَى حَالاتٍ أكبَر، مثلَ عمَليّاتٍ تمَّ الكشفُ عنهَا فِي فَنادقَ ومَبانٍ سَكنيّةٍ تُستَخدمُ كَمراكزَ تِجاريّةٍ فِي النَّهارِ ووَكرِ دَعارةٍ فِي اللَّيلِ، مَا يُشيرُ إلَى أنَّ النَّشاطَ لا يَزالُ مَرناً ويتَكيّفُ معَ الضُّغوطِ الأمنِيّة.

التّداعياتُ الإنسَانيّةُ والإجتِماعِيّة

وراءَ كُلِّ رقمٍ وكلِّ عَمليّةِ تَوقِيف، هُناكَ حَياةٌ بَشريّةٌ مُعرّضةٌ لِلخطرِ: نِساءٌ يُجبَرنَ علَى العَملِ فِي ظُروفٍ وصفَتْهَا مُنظّماتُ حُقوقِ المَرأةِ بأنَّهَا استغِلالٌ مَادّيٌّ ونَفسيّ. وجودُ تَهديداتٍ قَويّةٍ وسِـ.لاحٍ فِي بعضِ شَبكاتِ التَّسفيرِ والاستِغلالِ، كَما وثّقَتْ شُعبةُ المَعلوماتِ وقِوى الأمنِ حَالاتٍ مُرتبطةً بِالتَّخويفِ والتَّهديدِ بالسِّـ.لاحِ لضَمانِ استِمرارِ العملِ داخِلَ هذهِ الشَّبَكات. علاوةً علَى العَديدَ منَ النِّساءِ العَامِلاتِ لا يَملُكنَ دَعماً قَانونيّاً كافِيا، ويُواجِهنَ وَصمةً اجتِماعيّةً تَمنَعُهنَّ مِن طَلبِ المُساعدةِ عَلناً أوْ التَّحدّثِ عَن مَا مرَّ بِهِنّ.

مَن يَحمِينا منِ استِغلالِنا؟

مَا تكشِفُهُ هذهِ الأدِلةُ مِن مُداهَماتٍ قَضائيَّة، تَحريّاتٍ أمنِيّةٍ وشَهاداتِ مُنظّماتٍ حُقوقيَّة، هوَ أنَّ بُيوتَ الدَّعارةِ فِي لُبنانَ ليسَت مُجرّدَ ظاهِرةٍ هامِشيّةٍ عابِرة. إنَّها ظاهِرةٌ مُعقّدةٌ يتَداخَلُ فِيهَا الفَقر، هَشاشةُ القَانون، ضعفُ الحِمايَة، وتَساهُلُ الرَّقابة، مِمّا يَجعلُ العَديدَ منَ الضَّحايَا يَعيشونَ فِي دائِرةٍ لا تنتَهي منَ الاستِغلالِ والمُعاناة. والسُّؤالُ الّذِي يظلُّ مَطرُوحاً بقوّةٍ بعدَ كلِّ هذهِ الحَقائق: كيفَ يُمكنُ لِلمُجتمعِ اللُّبنانيِّ والدَّولةِ أنْ يوفِّرا حِمايةً حَقيقيّةً لِهؤلاءِ النِّساء، ولَيسَ مُجرّدَ مُعاقبةِ بيوتٍ تُغلِقُ ليُفتحَ غيرُهَا فِي مَكانٍ آخَر؟