بقلم✍🏻:ريم محمّد عيد رمضان
تدقيق: هادي محمود نصّار
تغزُو الأورامُ غابةَ الطّفولةِ كإعصارٍ غاشِم، يقتلعُ جذورَ الطّمأنِينةِ ويستَبدلُ أرجُوحةَ المرحِ بمَباضعِ الجرّاحِين، ويُحيلُ ضحِكاتِ الصّغارِ صدَى يتَردّدُ بينَ جدرانِ المَشافِي الباردَة. هُناك، حيثُ يذبلُ الجسدُ الغضُّ تحتَ سطوةِ “الكيمَاويّ”، وتتسَاقطُ خُصلُ الشّعرِ كأوراقِ خريفٍ مُبكِر، يحلُّ الشّحوبُ ضيفاً ثقيلاً يسرقُ نضارةَ الوجُوه.
لكنَّ الوجعَ الأكبرَ ليسَ وخزةَ إبرَة، بَل تلكَ “الغُربةُ الرّوحيّةُ” الّتي يشعرُ بهَا الصّغيرُ وهُو يراقبُ مًن وراءِ زُجاجِ غرفتهِ أقرانهُ يركُضونَ خلفَ الفَراشَات، بينَما هوُ مُكبّلٌ بأغلالِ الأنابيبِ والمُغذّيَات.
فهَل تقوَى روحٌ خُلقَت مِن طهرٍ علَى مُقارعةِ هذَا الطّوفانِ دونَ أنْ تَنطفئَ شُعلةُ يَقينِها؟يمرُّ هؤلاءِ الأبطالُ بمتاهةٍ نَفسيّةٍ شائكَة، تبدأُ بذُهولِ الإنكارِ
وسُؤال “لمَاذا أنا؟”
الّذي يُمزّقُ سكونَ الصَّمت، وصولاً إلَى غَياهبِ الإحباطِ حينَ يُدركونَ أنَّ أجسَادهُم خذَلتهُم عِن مُجاراةِ ألعابهِم. فبينَما يرتجفُ الطّفلُ خوفاً مِن المَجهولِ والوخزِ المُتكرِّر، يَغرقُ المراهقُ فِي صراعٍ وجُوديٍّ أعمَق، حيثُ يتشوّهُ مَرأى الجسدِ في عيْنيهِ وتُنتهكُ خُصوصيّتُه، مِمّا يدفعهُ نحوَ عزلةٍ اختِياريَّة. ومَع ذَلك، ومِن شُقوقِ هذا الانكِسار، يَنبثقُ ضوءٌ عجِيب، فكلُّ تَحسّنٍ طفيفٍ يُعدُّ فتحاً مُبينا، وتتَحوّلُ مَرارةُ العجزِ تَدريجياً إلَى “إرادةٍ فولاذِيّة”، تَجعلُ مِن هؤلاءِ الصّغارِ حكَماءً يُدركونَ قيمةَ الحياةِ بوَعيٍ يسبِقُ سَنواتِ عُمرهِم بعُقود.
لا تَنتهِي المَعركةُ عندَ أبوابِ المُستشفَى، بَل تمتدُّ لتطالَ أحلاماً صارَت بَعيدةً كالمَدرسَة. يعودُ المحاربُ الصّغيرُ ليجدَ فجوةً زمنيّةً واجتِماعيّةً تَفصلهُ عِن رفاقِه، مُثقلاً بخجلٍ مِن نظراتِ الشَّفقةِ الّتي تنهشُ ثِقتَه، وعجزٍ بدنيٍّ يمنعهُ مِن مُجاراةِ صخبِ المَلاعِب.
هُنا، لا يُصبحُ الدّعمُ النّفسيُّ مُجرّدَ ترَف، بَل هُو “شِريانُ حيَاة” وجسرٌ للعبورِ نحوَ السَّواء. إنَّ احتِضانَ المُجتمعِ وتفهُّمِ المؤسَّساتِ التّعليميَّةِ هُو ما يحوِّلُ البيئةَ المُحيطةَ مِن ساحةٍ للضّغطِ النّفسيِّ إلى مَلاذٍ آمِن يُشعرهُ بالانتِماءِ والقوَّة، ويؤكّدُ لهُ أنَّ مرضَهُ ليسَ “هويَّة”، بَل هوُ سحابةُ صيفٍ عابرَة.
تأتِي الأنشطةُ التّرفيهيّةُ كبَلسمٍ يُداوي مَا عجِز عنهُ العقَّار، فهيَ “الدّواءُ الرّوحيُّ” الّذي يستردُّ بهِ الطِّفلُ ملامِحهُ المَسلوبَة. فباللّعبِ والرّسمِ والمُوسيقَى، يحرّرُ الصّغارُ صَرخاتهِم المَكبوتةَ ويرسُمونَ عالماً لا ألَم فيه.
أمّا المُراهقُون، فالهِواياتُ هِي بوصِلتهُم لاستِعادةِ الثِّقة بالنّفسِ والقُدرةِ علَى الإنجازِ وسطَ ركامِ المَرض. هذهِ اللّحظاتُ مِن الغِبطةِ ليسَت لَهوا، بَل هِي “استِنفارٌ لجهازِ المَناعةِ النَّفسيّ”، تخلقُ ذِكرياتٍ مُضيئةٍ تطردُ عتمةَ المُعانَاة، وتَمنحُهم الزّخمَ لمُواصلةِ القتالِ ببسالَةٍ تنحنِي لهَا الجِباه.وفِي الخِتام، ننحَني إجلالاً لكلِّ مَن انتصرَ بصبرِه، ولكلِّ مَن لا يزالُ يمسكُ بجمرةِ الأمَل. ولا ننسَى تلكَ “العَصافيرَ الرّاحلةَ” الّتي غادرَتنا علَى عجَل، فلَم يكُن رحيلهُم عبثاً، بَل تركُوا فِي أرواحِنا نُدوباً مِن نور، ودُروساً فِي اليَقين تحثُّنا علَى المُضيِّ قُدماً لتَطويرِ سبلِ الرِّعايَة. إنَّ غيابهُم يقدّسُ حقَّ الحَياة، ويضعُنا أمامَ تساؤلٍ أخلاقيٍّ كَبير:
كيفَ نجعلُ مِن هَذا العالمِ مكاناً أرحَم، يضمنُ لكلِّ طفلٍ محاربٍ حقَّ الشِّفاء والعيشِ بكرامةٍ تليقُ بطُهره؟
