كتابة وتدقيق: هادي محمود نصّار
فِي النّبطيّة…
كانَ الصّباحُ مثقلاً برائحةِ البَارود، ومُطعّماً بصمتٍ ثقيلٍ فِي سباقٍ مَع العَاصفَة. هُناك، حيثُ تُزرعُ الكرامةُ فِي ترابِ الجَنوب، كمَا تُزرعُ أشجارُ الزّيتُون، قدَّمت النّبطيّةُ ثُلةً مِن أبطالِها.
هُم رجالُ أمنِ الدّولَة، لَم يكونُوا مُجرّدَ وُجوهٍ فِي زيٍّ عسكريّ، بَل كانُوا حكايةَ وطنٍ يتّكئُ علَى صُدورهِم، والسّورَ الأخيرَ حينَ تَهاوتِ الجُدران. لَم يطلُبوا المَجد، ولَم ينتظِروا التَّكريم، فقَط وقفُوا، كمَا تقفُ الجِبال، حينَ يُختبرُ الصُّمود.
أيُّ قلبٍ يحتملُ مشهدَ الدَّم، وهُو يُكتب سطوراً علَى أرضِ مدينتِنا؟
وأيُّ لغةٍ تكفِي لتصفَ رجالاً اختَاروا أن يكُونوا درعاً، فغَدوا أطيافاً تزيّنُ ذاكرتَنا بمجدِ صمودِهم؟
لَم تكُن مجزَرة، كانَت لحظةَ الحَقيقَة:
أنَّ فِي هَذا الوطنِ رجال، إذا ضاقَ بهِم الزّمَن، اتّسعَت أرواحهُم للحُريَّة، وأنَّ المَوت، وإن مرَّ بالشُّجعَان، لا يَكتبُ النِّهاية، بَل بدايةَ روايةٍ تُحكى للأجيَال.
سلامٌ علَى وجوهٍ لَم تُكمل أحلامَها، لكنَّها أعطَت للوطنِ معنَى. سلامٌ علَى دمٍ لَم يجِفّ، بَل تحوّلَ نبضاً فِي عروقِ الأرض.
وسلامٌ علَى النّبطيّة، الّتي كلَّما نزفَت، أنبتَت رِجالاً ينيرونَ الأرضَ مَجداً و عِزّة.
