بقلم: علي رضوان سعيّد
تدقيق: هادي محمود نصّار
فِي لبنانَ اليَوم، لَم يعُد غريباً أنْ يعملَ المُوظّفُ فِي وظيفَتينِ أو ثلاثٍ لتأمينِ أسَاسيّاتِ العَيش. أستاذُ مدرسةٍ يدرّسُ نهاراً ويعملُ مَساءً فِي توصيلِ الطّلَبات، موظّفٌ إداريٌّ يبيعُ مُنتجاتٍ عبرَ الإنتِرنِت بعدَ الدَّوام، أوْ مُهندسٌ ينجزُ أعمالاً إضافيّةً لتَغطيةِ فاتورةِ الكَهرباءِ والاتّصالَات. هذهِ المَشاهدُ باتَت جُزءاً منَ الحياةِ اليوميَّة، ونتيجةً مباشرةً لانهيارٍ اقتِصاديٍّ أطاحَ بقيمةِ الرّواتِب وأفقدَ العملَ معناهُ الأساسِيّ. أمامَ هذَا الواقِع، يبرزُ سؤالٌ جوهَريّ: هَل تحوّلَ العملُ فِي لبنانَ مِن وسيلةِ استِقرارٍ إلى معركةٍ يوميّةٍ للبَقاء؟
قبلَ الأزمَة، كانَت الوَظيفةُ الثَّابتةُ تشكّلُ ضمانةً للعيشِ الكَريم، خُصوصاً لأبناءِ الطّبقةِ الوُسطى. أمَّا اليَوم، فقَد فقدَت الرَّواتبُ قيمتَها الفعليَّة، وباتَ دخلُ الموظّفِ لا يكفِي لتغطيةِ الحاجاتِ الأساسيَّة. هذَا الواقعُ دفعَ شريحةً واسعةً منَ اللُّبنانييّنَ إلى البحثِ عَن مصادرِ دخلٍ إضافيَّة، غالباً خارجَ أيِّ إطارٍ قانونيٍّ أو تنظيمِيّ، ضمنَ مَا يُعرفُ باقتصادِ الظِّلّ.
وبحَسبِ تَقديراتٍ اقتِصاديَّة، أكثرُ مِن نصفِ العاملينَ فِي لُبنان، يعتَمدونَ اليومَ علَى عملٍ إضافيٍّ واحدٍ علَى الأقَلّ، فيمَا يقدَّرُ أنَّ اقتصادَ الظِّلّ يشكّلُ نحوَ نصفِ حجمِ الاقتِصادِ اللُّبنانيّ. هذهِ الأرقامُ لا تعكسُ فقَط حجمَ الأزمَة، بل تكشِفُ أيضاً حجمَ الفراغِ الّذِي تركتهُ الدّولةُ فِي تنظيمِ سوقِ العملِ وحمايةِ العامِلين. اللّافتُ أنَّ هذَا التَّحوّلَ لا يعنِي فقَط تعدّدَ مصادرِ الدَّخل، بَل خروجُ أعدادٍ كبيرةٍ مِن العاملينَ مِن أيِّ نظامِ حمايةٍ اجتماعيَّة. فالأعمالُ الجانبيّةُ لا توفّرُ ضماناً صِحيّا، ولا تعويضَات، ولَا أيَّ أمانٍ وظيفِيّ، مَا يجعلُ العاملَ عُرضةً لأيِّ طارئٍ صِحيٍّ أو اجتماعِيّ. وهكَذا، تتحوّلُ المرونةُ المَفروضةُ إلى هشَاشةٍ دائمَة، يدفعُ ثمنهَا الفردُ وحدهُ فِي غيابِ أيِّ دورٍ للدولَة.
المُشكلةُ لا تَكمنُ فِي تعدُّدِ الأعمالِ فحَسب، بَل فِي كُلفتهِ الإنسانيّةِ والمهنيَّة. فالعاملُ الّذِي يوزّعُ وقتهُ وجهدهُ بينَ أكثرِ مِن وظيفةٍ يعيشُ حالةَ إنهاكٍ دائِم، ويَفقدُ تَدريجيّاً قُدرتهُ علَى التّطوّرِ فِي مهنتهِ الأساسيَّة. العملُ الإضَافيّ، الّذِي كانَ ينظرُ إليهِ كحلٍّ مؤقَّت، تحوّلَ إلى نمطِ حياةٍ إجبَاريّ. ويحذّرُ خبراءٌ اقتِصاديّونَ مِن أنَّ استِمرارَ توسُّعِ اقتصادِ الظّلِّ يعنِي تآكلَ ما تبقَّى مِن الطّبقةِ الوُسطَى، وخسارةَ الدَّولةِ لمواردِها، مقابلَ تحميلِ الأفرادِ وحدهُم كلفةَ الانهِيار، مِن دونِ أيِّ شبكةِ أمانٍ اجتِماعيّ.
اليَوم، يعملُ اللُّبنانيّونَ أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مضَى، لكِن مِن دونِ أفقٍ واضِح. المؤسَّساتُ تُستنزفُ مِن كفَاءاتِها، والطّبقةُ الوسطَى تنكمِش، والدّولةُ غائبةٌ عِن دورِها. فإذَا كانَ هذَا هوَ واقعُ «لبنانُ الدَّوامَيْن»، يبقَى السّؤالُ المَفتوح: إلَى متَى يَستطيعُ المُجتمعُ أنْ يستمرَّ فِي العملِ بلَا استِقرار، وبلَا دولةٍ تحمِي تعبهُ ومُستقبلَه؟
