بقلم: ريان إبراهيم نجم
تدقيق: هادي محمود نصّار
لُبنان، دولةُ الانقِساماتِ السّياسيّةِ المُعلنَة، إذْ يتباهَى رؤساؤهُ ووزراؤهُ بمَا لديهِم مِن فنِّ الخِطابات، أمَّا أفعَالهُم فتبقَى مُعلّقةً حتّى إشعارٍ آخَر . لَم تعُد الاعتِداءاتُ الإسرائيليَّةُ المُتكرِّرةُ تثيرُ الصّدمَة، بَل غدَت جُزءاً مِن الرّوتينِ اليومِيّ، وكأنّها بندٌ مِن البُنود الدُّستوريَّة. شهداءٌ وأشلاءٌ و جرحَى، عدّادُ الأرقامِ يُسجِّل ، والدّولةُ تعيدُ تَدويرَ بَياناتِها وتُدينُ الهَجماتِ علَى أراضِيها. فهَل تَكمنُ أزمةُ لُبنانَ فِي تعقيداتِ الخارجِ وضُغوطاتِه ؟ أمْ فِي عجزٍ داخليٍّ مُزمِن؟
فِي بلدٍ يُفترضُ أنّهُ قائمٌ علَى التّعايشِ والتّوازُن، يَكشفُ الواقعُ عَن خللٍ سياسيٍّ عميقٍ وهَشاشةٍ واضِحةٍ فِي بُنيةِ الدّولَة. وقَد تَجلّى ذلِك بُوضوحٍ فِي تصريحِ وزيرِ الخارجيّةِ والمُغتربينَ “يوسف رجّي”، الّذي حمَل فِي ظاهِرهِ موقفاً سِياديّا، فيمَا أخفَى فِي باطنهِ انقساماً مُعلَنا. إذْ أشارَ إلى أنَّ للعدوِّ الإسرائيليّ حقّاً فِي مُمارسةِ اعتِداءاتِها علَى لُبنان فِي حالِ لَم يُحصرِ السّلاحُ بيدِ الدّولَة، وهُو مَوقفٌ يثيرُ تَساؤلاتٍ جدّيةٍ حولَ مفهومِ السّيادةِ وحُدودهَا. ومُؤخّرا، اتّخذَ قراراً سياسيّاً ذا طابعٍ حزبيٍّ فئَويّ، تمثّلَ فِي طلبِ مغادرةِ السّفيرِ الإيرانيِّ لُبنان، فِي مشهدٍ يتناقضُ مَع واقعٍ ميدانيٍّ خَطير، حيثُ تستمرُّ الطّائراتُ الأميركيّةُ فِي استهدافِ مناطقَ لُبنانيّةٍ واسعَة. وبينَ هَذا وذَاك، يبقَى السُّؤال: هَل نحنُ أمامَ سياسةِ دَولةٍ مُتماسكَة، أمْ أمامَ تَبايناتٍ تُدارُ بمنطقِ الاصطِفاف، علَى حسابِ الاستقرارِ الوَطنيّ؟
وفِي السِّياقِ نفسِه، أعلنَ رئيسُ حزبِ القوّاتِ اللّبنانيّةِ “سمير جعجع” موقفهُ السِّياسيَّ المُهاجِم، إذْ لَم يكتفِ بمُطالبةِ حَصرِ السِّلاح، بَل حمّلَ حزبَ الله مسؤوليّةَ إدخالِ لبنانَ فِي الصِّراعاتِ الإقليميَّة، مُعتبراً أنَّ هَذا السِّلاحَ هُو السَّببُ الرئيسيُّ لغيابِ القرارِ السِّياديّ. وبينَ هذينِ الخِطابين، تجلَّت صورةُ الانقسامِ السِّياسيِّ والوجهُ الآخرُ للعملةِ الوطنيَّة. فهَل تُعدّ كلماتُهم دفاعاً عَن لُبنان؟ أم تَحريضاً علَيه؟
فِي المُقابِل، لا يُمكنُ إغفالُ دورِ رئيسِ مجلسِ النوّابِ نبيه برّي، الرَّجلُ السِّياسيُّ المُحنّك، الّذي يُوازنُ بينَ الخِطاباتِ وقراراتِ التَّفاوُض. إذ إنّهُ لَم يُقفِل أبوابَ التَّفاوض، لكنّهُ وضعَ شروطَه، بألَّا تفاوضَ دونَ وقفِ إطلاقِ النّارِ والاعتِداءاتِ الإسرائيليَّة، وعودةِ النّازحينَ إلَى قُراهم.
وفِي سياقِ التّفاوض، سبقَ وتمَّ تَسميةُ السّفيرِ السّابقِ “سيمون كرم” لترؤّسِ الوفدِ اللُّبنانيِّ إلَى لجنةِ المِيكانيزم، الَّتي شُكِّلت لتطبيقِ اتّفاقِ وقفِ الأعمالِ العدائيّةِ بينَ لبنانَ وإسرائيل. حينَها التزمَ لُبنان، وعبرهُ حزبُ الله، بتطبيقِ هَذا الاتِّفاق منذُ صدورهِ فِي 27 نوفَمبر 2024، بعدمِ إطلاقِ أيِّ رصاصةٍ علَى امتدادِ سنةٍ وأكثَر مِن ثلاثةِ أشهُر، والتزمَ أيضاً بإخلاءِ جنوبِ اللّيطانِيّ إفساحاً أمامَ انتشارِ الجيشِ اللُّبنانيِّ بمؤازرةِ قوّاتِ الطّوارئِ الدُّوليّة “اليُونيفيل”. فهَل استُثمرَت هذهِ الفَترةُ لتعزيزِ سلطةِ الدّولةِ وترسيخِ الاستِقرار؟
وفِي الجهةِ الثّانيَة، أظهرَ رجالُ اللهِ فِي الميدانِ مشهداً أربكَ العدوَّ الإسرَائيليّ، ومَن يُساندهُم فِي الدّاخلِ اللُّبنانيّ. اشتباكاتٌ وعمليّاتٌ سُطِّرت بفضلِ سواعدِ رجالٍ لا يهابونَ الموتَ ولا يعرفونَ معنَى الخوفِ أمامَ الطُّغيان، بَل يعزفونَ النّصرَ بسيمفُونيّاتهِم مِن الجنوبِ الصّامدِ إلَى البقاعِ الأبِيّ.
كمَا اتّخذَ العدوُّ مَنحًى تَصعيديّاً باستهدافِ البُنيةِ التَّحتيَّة، لاسيّما تدميرُ الجُسورِ الّتي تُشبهُ الشّراييِن، مِن “الخردَلي” إلَى “القاسميَّة” مُروراً ب”قاقعيّةِ الجِسر” و”طيرفِلسيه” و”وادِي الحجَير”، هذهِ الشّرايينُ الَّتي ربطَت بينَ القُرى والمُدن. لَم يتوقّفِ الاستهدافُ عندَ الجُسور، بَل طالَ أيضاً محطّاتِ الوَقود، فِي مؤشّرٍ إلَى عزلِ المَناطقِ وضربِ مقوّماتِ الصُّمودِ للمَدنييِّن، مَا يُمهّدُ إلَى مرحلةٍ أكثرَ تعقِيدا. فمَاذا سيحملُ المُستقبلُ القَريب؟ وهَل سيتّجهُ لبنانُ نحوَ المزيدِ مِن التَّصعيد؟
