نبضُ اليقينِ فِي شَرايينِ الصَّبر

نبضُ اليقينِ فِي شَرايينِ الصَّبر

بقلم: ريم محمّد عيد رمضان
تدقيق: هادي محمود نصّار

تتصارَعُ فِي أروِقةِ الوجودِ قوّتانِ أزليّتَان، الخيرُ والشَرّ، فِي تضادٍ يشبهُ تعاقبَ اللّيلِ والنَّهار، فالحياةُ ليسَت ممهّدةً بالوُرود، بَل هِي حلبةٌ يَختبرُ فيهَا الإنسانُ جوهرَهُ أمامَ عواصفِ المِحَن.
إنَّ الشَرّ، برغمِ بريقهِ الخاطفِ وقوّتِهِ الظّاهريّةِ أحيَانا، يظلُّ بناءً هشّاً يفتقرُ إلى الجُذور، بينُما ينمُو الخيرُ فِي صمتٍ كالأشجارِ المُعمّرَة، يستمدُّ قوّتَهُ مِن ثباتِ الحقِّ ونقاءِ السّريرَة.
فإلى أيِّ مدَى يستَطيعُ الصَّبرُ أن يكونَ الجسرَ الّذي يعبرُ بنَا مِن عتمةِ البلاءِ إلى ضياءِ الانتِصار، وكيفَ يظلُّ الخيرُ هوَ الكَلمةُ الأخيرةُ فِي كتابِ القدَر؟

تشتدُّ المحَنُ وتَضيقُ بِنا السُّبل، وكأنَّ الحياةَ تمتَحنُ طاقةَ أرواحِنا علَى الاحتِمال، فيبدُو الشرُّ فِي تلكَ اللّحظاتِ وكأنَّهُ وحشٌ كاسرٌ يُطبقُ فكّيْهِ علَى الآمَال. إلَّا أنَّ المُتأمّلَ فِي سُننِ الكونِ يدركُ أنَّ “أشدَّ ساعاتِ اللّيلِ سواداً هِي تلكَ الّتي تسبقُ الفَجر”، فالمِحنُ ليسَت سِوى صَهرٍ للمَعادنِ لتمييزِ النّفيسِ مِن الرَّخيص. إنَّ اجتيازَ الصِّعابِ لا يتطلّبُ قوةً عضليَّة، بَل يتطلّبُ إيماناً راسخاً بأنَّ العُسرَ لا يغلبُ يُسريْن، وبأنَّ كلَّ شبرٍ مِن الألَم يورثُ متراً مِن النُّضجِ والحكمةِ فِي النّفسِ البشريَّة.

هُنا يتجلّى الصّبرُ ليسَ كفعلِ استسلَام، بَل كأرقَى أنواعِ المُقاومةِ الصَّامتَة؛ إنّهُ التّمسُّكُ بالبَصيرةِ حينَ تُعمى الأبصَار، والقُدرةُ علَى رؤيةِ الثّمارِ قبلَ أوانِ نُضجِها. الصّبرُ هُو ذلكَ الحارسُ الّذي يحمِي جُسورَنا مًن الانهِيارِ تَحتً ثقلِ اليَأس، وهُو الّذِي يحوِّلُ الأنينَ إلى دُعاء، والانكِسارَ إلى وثُوب. فمَن يتسَلّحُ بالصّبرِ يمتلكُ مَفاتيحَ الزّمَن، ويُصبحُ قادراً علَى ترويضِ العواصِف، مُدركاً أنَّ العجلةَ مِن طبعِ الضَّعيف، بينَما الأناةُ هِي شيمةُ الواثقينَ فِي عدلِ السَّماء.

وفِي نهايةِ المَطاف، لا بدَّ للنُّور أَن يجدَ ثغرةً مِن بينِ ثنَايا الظَّلام، فالحقُّ وإنْ تَوارَى قليلًا، فإنّهُ لَا يمُوت. إنَّ انتصارَ الخيرِ فِي الحَياةِ ليسَ مُجرّدَ “نهايةٍ سعيدَة” فِي روايةٍ خيَاليّة، بَل هُو حتميّةٌ أخلاقيّةٌ تَفرضُها وحدةُ الوُجود. فعِندمَا ينفَضُ غبارُ المَعاركِ وتنكشفُ الغَمّة، نجدُ أنَّ ما بُني بالشرِّ قد تهاوَى لأنّهُ لَم يملِك أساساً مِن المَحبَّة، بينمَا يظلُّ الخيرُ شامخاً كالجبلِ الأشَمّ، تُشرقُ عليهِ شمسُ الحقيقةِ لتُعلنَ أنَّ البقاءَ دائماً للأجملِ والأكثرِ نقَاء.

خِتَاما، تظلُّ رحلةُ الإنسانِ بينَ مدٍّ وجَزر، تتَقاذفُها أمواجُ القَدر، لكنَّ القلبَ الّذِي امتلأَ بالخيرِ والصّبرِ تظلُّ بُوصلتهُ الّتي لا تُخطئُ الاتِّجاه. إنَّنا لا نَجتازُ الصّعابَ لننجُو فقَط، بَل لنَرتقِي، ولنُثبتَ لأنفُسنا وللعالَم أنَّ بذرةَ النّورِ الكامِنةَ فينَا لا تَقهرهَا رِيح. وإذَا كانَ الخيرُ هُو المُنتصرُ دائماً فِي النّهايَة، فهَل نحنُ مستعدّونَ لتغييرِ زاويةِ رؤيتِنا للألَم، ليكونَ هُو نفسهُ الوَقودَ الّذِي يُشعلُ فِينا فتيلَ الانتِصارِ القادِم.