“الميلادُ اللُّبنانيّ: حينَ تَهزمُ الزّينةُ جُدرانَ العَزل”.

“الميلادُ اللُّبنانيّ: حينَ تَهزمُ الزّينةُ جُدرانَ العَزل”.

بقلم:ريم محمّد عيد رمضانتدقيق: هادي محمود نصّار

فِي الوَقتِ الّذِي تَشتدُّ فيهِ الأزمَاتُ علَى لُبنان، يَبرزُ عيدُ المِيلادِ كفُسحةِ ضَوءٍ تُعيدُ صياغَةَ الهُويّةِ الوَطنيّة، حيثُ تتحوّلُ الشّوارِعُ مِن الشَّمالِ إلَى الجَنوبِ إلَى سَاحاتٍ للتّلاقِي. فمِنَ البترونِ الّتي تحوّلَت بجَدارةٍ إلَى “عاصمَةِ المِيلاد”، حيثُ يَختلطُ سِحرُ العِمارةِ القَديمةُ بزينَةٍ عَصريّةٍ تجذِبُ الآلَاف، إلَى جُبيل حيثُ تُضاءُ شُموعُ الأملِ رغمَ قسوَةِ الظُّروف، وصُولاً إلَى صَيدا، مَدينةُ التَّنوُّع، يُثبتُ اللُّبنَانيّونَ أنَّ العَيشَ الواحِدَ ليسَ خَياراً سِياسِيّا، بلْ هُو قَدرٌ وُجودِيّ. ومَع ذلِك، يبرُزُ تَساؤلٌ جَوهريٌّ: هَل تَنجحُ بَهجةُ المِيلادِ ورَمزيّةُ الشّجرةِ فِي الصُّمودِ أمامَ مُحاوَلاتِ “الأدَواتِ المَذهبيَّةِ” الّتي تَسعَى لتَرسيخِ جُدرانِ العَزلِ النَّفسيِّ والمَكانِيِّ بينَ أبناءِ الوَطنِ الواحِد؟

قَلبُ الجَنوبِ يَنبضُ بالانفِتاحِ بِحيثُ تُعتَبرُ مَدينةُ صَيدا هذا العَام، النَموذجَ الأنصَعَ للعَيشِ المُشتَرك. فبَينَ الأسواقِ القَديمةِ وَساحاتِها العامَّة، ارتَفعتْ أشجَارُ المِيلادِ لتُعانقَ مَآذنَ المَساجِد. هذا المَشهدُ فِي صَيدا لَيسَ مُجرّدَ «فولكلور»، بَل هُو رِسالةٌ واضِحةٌ بأنَّ المَدينةَ تَرفضُ التَّقوقُع. إنَّ انخِراطَ أبناءِ صَيدا بجَميعِ طَوائفهِم فِي تَنظيمِ الفَعاليّاتِ المِيلاديّةِ يَعكسُ وَعياً شَعبيّاً بأنَّ الفَرحَ حقٌّ للجَميع، وأنَّ الاحتِفالَ بميلادِ السَّيّدِ المَسيح، هُو احتِفالٌ بقيَمِ المَحبَةِ والسَّلامِ الَّتي تُهمُّ كُلَّ لُبنانِيّ.
خَفافيشُ المَدهَبيّة: السُّمومُ في جَسدِ الوَطن.

بالمُقابِل، وبَينما يَسعَى السَّوادُ الأعظَمُ مِن اللُّبنانيّينَ لمدِّ الجُسور، تُطلُّ رُؤوسُ «المَذهبيّينَ» الَّذينَ يَقتاتونَ علَى التَّفرقَة. هؤُلاءِ الأشخَاص، الَّذينَ نَصَّبوا أنفُسهُم حُرّاساً علَى العَقائِد، بَدؤوا بِبثِّ سُمومِهم عَبرَ منَصّاتِ التَّواصلِ الاجتِماعيِّ وفِي الصَّالوناتِ المُغلَقة، مُحاولينَ تَصويرَ احتِفالاتِ العِيدِ كأنَّها خُروجٌ عنِ الدِّينِ أو تَهديدٌ لخُصوصيَّاتٍ مَناطقيَّةٍ مُعيَّنة.

هؤلاءِ «المَذهَبيّون» لا يَتحرَّكونَ مِن مُنطلقٍ دِينيٍّ حَقيقِيّ، بَل مِن عَقليّةٍ إلغائيّةٍ تَرى فِي الآخرِ عَدُوّا. لَقَد حاوَلوا فِي بَعضِ المَناطقِ إثارَةَ فِتنٍ صَغيرَة، مُستَخدمينَ لُغةَ التَّحريمِ والتَّحرِيض، بهَدفِ إرجاعِ المُجتمعِ إلَى مُربَّعاتِ العَزلِ الطّائِفيِّ الَّتي دَفعَ اللُّبنانيّونَ ثَمنهَا غالِياً فِي الماضِي. إنَّهُم يَخشونَ «صُورةَ الشَّجرةِ» وهيَ تُضاءُ فِي ساحَةٍ عامَّة، لأنَّها تَكسرُ جُدرانَ الكَراهيَّةِ الَّتي قَضوا سَنواتٍ فِي بِنائِها.

وقَد كانَ الرّدَّ الأقوَى، فهُنا خُطورةُ هؤُلاءِ الأشخاصِ تَكمنُ فِي مُحاوَلتهِم تَسميمَ عُقولِ الأجيالِ الصّاعِدَة، لكنَّ الردَّ اللُّبنانيَّ جاءَ مِن داخِلِ المُجتمعِ نَفسِه. ففِي صَيدا تَحدِيدا، كانَ الالتِفافُ حَولَ شَجرةِ المِيلادِ رَدّاً حاسِماً علَى كلِّ مَن حاوَلَ مَنعَها أو التَّشكيكَ بجَدواهَا. لَقد أثبَتَ اللُّبنانيّونَ أنَّ «العَيشَ المُشتَرك» أقوَى مِن أيِّ تَغريدةٍ طَائفيّةٍ أو خِطابٍ تَحريضِيّ، وأنَّ قُوّةَ لُبنانَ تَكمنُ فِي هذهِ الفُسَيفِساءِ الَّتي يُحاولُ المَذهبيّونَ تَشوِيهَها.

أمَّا تَحَدّي الرُّكام، حيثُ كانَتِ المُفاجأةُ الأجمَلُ مِن قَلبِ مَدينةِ الصُّمود، وتَحديداً مَدينةُ صُور والقُرى المُجاورَة، الَّتي لَم تَمنَعها أصواتُ المَدافعِ ولا غاراتُ الطَّيرانِ مِن استِيلادِ الفَرَح. فبالرَغمِ منَ الحَربِ المُستَمرّةِ والاستِهدافِ المُمنهَج، أصرَّ أهلُ الجَنوبِ علَى تَشييدِ «قَريةٍ مِيلاديّةٍ» وسطَ السّاحاتِ الَّتي لَم تُلملِم جِراحَها بَعد. لَم تَكن هذهِ القَريةُ مُجرّدَ زينَةٍ وأضوَاء، بَل كانَت «مِتراساً ثَقافيّاً» فِي وَجهِ الدَّمار، حَيثُ تَآخى رَنينُ الأجراسِ مَع صَوتِ الصُّمود. إنَّ بِناءَ مَدينةٍ للمِيلادِ تَحتَ ظِلالِ الطّائِراتِ هُوَ الرِّسالةُ الأقوَى بأنَّ إرادَةَ الحَياةِ لدَى اللُّبنانيِّ أقوَى مِن آلَةِ المَوت، وأنَّ النّورَ الَّذي يُشعُّ مِن القُرى الحُدوديّةِ اليومَ هوَ فِعلُ مُقاومةٍ حَقيقيٍّ يَوفضُ الانكِسارَ ويَرسمُ حُدودَ الوَطنِ بالحُبِّ لا بالأسلاكِ الشّائِكَة.

يَبقى المِيلادُ فِي لُبنان، ففِي البَترون، جُبيل، ديرالقَمر، زحلَة، بَيروت، صَيدا وصور، وغَيرِها منَ المَناطِق، فِعلَ إيمانٍ بالوَطنِ قَبلَ أن يَكونَ طَقساً دِينيّا. ومعَ كُلِّ شَجرةٍ تُضاء، يَخسرُ المَذهبيّونَ مَعركةً جَديدَة، لأنَّ الضَوءَ دائِماً ما يَفضحُ السُّمومَ الَّتي تُحاكُ فِي الظَّلام. إنَّ حِمايةَ هذا العَيشِ المُشتركِ يتَطلّبُ مِنّا جَميعاً نَبذَ تِلكَ الأصواتِ الشّاذَّةِ والتَّمسّكَ بهُويّةِ لُبنانَ الَّتي لا تَكتملُ إلّا بجَناحَيه، مُسلمينَ ومَسيحيِّين. فهَل يَنجحُ اللُّبنانيّونَ فِي تَحويلِ هذا «التَّضامنِ المَوسميِّ» فِي الأعيادِ إلى نَهجٍ سِياسيٍّ واجتِماعيٍّ دائمٍ يَقتلعُ جُذورَ الطَّائفيّةِ مِن أساسِها؟