بقلم :ريم محمّد عيد رمضان
تدقيق: هادي محمود نصّار
لَطالَما كانَ الخَيالُ المَلاذَ الأوّلَ للأطفَال، حَيثُ لَا حُدودَ للمُستَحيلِ ولَا قُيودَ علَى الأمنيَّات. وفِي لَيلةٍ هادئَة، بَينَما كانَ الطِّفلُ «سامي» يَغطُّ فِي نَومٍ عَميق، انفَتحَت أمَامهُ بوّابَةٌ سِحريّةٌ قادَتهُ إلَى عالَمٍ لَم يَرهُ إلّا فِي مُخيّلتِه، عالَمٌ تَفوحُ مِنهُ رائِحةُ الكاكاو وتَلمعُ فيهِ الأنهارُ باللَّونِ البُنّيِّ المُخمَليّ. كانَ يَقفُ أمَامَ «مَدينَة الشّوكولاتَة» العَظيمَة، وهَو لا يَكادُ يُصدّقُ ما تَراهُ عَيناهُ مِن دَهشةٍ وجَمال. ولَكِن، هَل يُمكنُ للسَّعادةِ المُطلَقةِ أن تَدومَ في عالَمٍ بُنّيٍّ مِن نَسيجِ الخَيال؟ وكَيفَ تَكونُ الصَّدمةُ حينَ يَصطدِمُ سِحرُ الأحلامِ ببُرودةِ الواقِع؟
دَخلَ سامي المَدينةَ بِخُطواتٍ مُفعمةٍ بالحَماس، فكانتِ الأرصِفةُ مَرصوفةً بقِطعِ البَسكويتِ المُقرمِش، والأشجارُ تَتدَلّى مِنها ثِمارٌ مِن «التّرافل» الفاخِر بَدلاً مِن الأوراقِ الخَضراء. نَظرَ حَولَهُ فوَجدَ نَوافيرَ ضَخمةً يَتصاعدُ مِنها رَذاذُ الشُّوكولاتةِ السّائِلَة، بَينما كانَتِ المَقاعدُ فِي المُنتَزهاتِ مَصنوعةً مِن ألواحِ الشُّوكولاتةِ الدّاكِنَة. غَمرَت سامي سَعادةٌ لا تُوصفُ وهُو يَلمسُ جُدرانَ المَنازِلِ المَبنيّةِ مِن «الويفر» المُغَطّى بالكرِيمَة، فَبدأَ يَتنقّلُ بَينَ الشَّوارعِ بضَحكاتٍ تَعلو فِي الأفُق، مُتذوّقاً كلَّ ما تَقعُ عليهِ يَداه، وكأنّهُ مَلكٌ مُتوّجٌ فِي مَملكتهِ المُفضّلَة.
لَم تكُن المَدينةُ مُجرّدَ طَعامٍ لَذيذ، بَل كانَت لَوحةً فَنّيةً مُتكاملَة، فالغُيومُ فِي سَمائِها كانَت عِبارةً عَن كُتلٍ مِن «غَزلِ البَنات» الوَرديّ، والأنهارُ يَجري فِيهَا الحَليبُ بالشُّوكولاتةِ البارِدَة. جَلسَ سامي علَى ضِفّةِ النَّهر، يُراقبُ الأسماكَ الصَّغيرةَ المَصنوعةَ منَ السَّكاكرِ وهِي تَسبحُ بخِفَّة، وشَعرَ لأوَّلِ مَرّةٍ بأنَّ الحَياةَ قدْ تخلَّت عَن ألوانِها التَّقليديّةِ لتَرتديَ ثَوباً مِن السُّكّر. كانَت كلُّ زاويَةٍ فِي المَدينةِ تَهمسُ لهُ بقصّةٍ جَديدَة، وكانَ هُو غارقاً فِي تَفاصيلِ هَذا العالَم، الَّذي أشبَعَ حَواسّهُ وجَعلهُ يَشعرُ ببَهجةٍ لَم يَعرفْ لَها مَثيلاً مِن قَبل.
وبَينَما كانَ سامي يَستَعدُّ لتسلُّقِ جَبلٍ مِن «المارشميلو» العِملاق، بَدأ الضَّوءُ يَتسلّلُ إلى عينَيهِ تَدريجِيّا، وبَدأتْ مَلامحُ المَدينةِ تَتلاشَى وتَذوبُ كقِطعةِ شُوكولاتةٍ تَحتَ أشعّةِ الشَّمس. فجأَة، وَجدَ نَفسهُ يَفتحُ عَينيهِ فِي غُرفتهِ الصَّغيرَة، ورائِحةُ الكاكاو الَّتي كانَت تَملأُ أنفهُ لَم تَكن سِوى بَقايا حُلمٍ جَميلٍ تَبخّرَ مَع استِيقاظِه. أدركَ بمَرارةٍ طَفيفةٍ أنَّ تلكَ المَدينةَ لَم تكُن سِوى نَسجاً مِن خَيالهِ الواسِع، وأنَّ الواقعَ لا يَحوِي أنهاراً مِن سُكَّر، لكنَّهُ ابتَسمَ وهو يُدركُ أنَّ قُدرتهُ علَى الحُلمِ هِي أعظمُ مُغامرةٍ يَمتلكهَا.
فهَل تَكمنُ قيمَةُ الأحلامِ في حَقيقتِها المَلموسَة، أمْ فِي تِلكَ المَشاعِر الجَميلةِ الَّتي تَزرعُها فِي نُفوسِنا حَتّى بَعدَ أنْ نَستَيقِظ؟
