بقلم: نيلّلي جهاد كولكو
تدقيق: هادي محمود نصّار
مَا جَرى فِي النّبطيَّة ليسَ مجرّدَ خَرقٍ أمنِيّ، بَل فَضيحةٌ مَيدانيّةٌ بكلِّ ما تَحملهُ الكَلمةُ مِن مَعنَى. فَعندمَا يُستهدفُ عَناصرٌ مِن أمنِ الدّولةِ بهذهِ الطّريقَة، لا يَعودُ الحَديثُ مُقتصراً علَى الجهةِ المُنفِّذة، بَل يَتّسعُ ليَطالَ مَنظومةً كامِلةً سمحَت بأنْ يُصبح هَؤلاءِ الشّبانُ أهدافاً سَهلة. هُنا، لا يَكفي أن نَسأل: مَن اعتَدى؟ بَل السُّؤالُ الأخطَر: مَن تَركهُم عُرضةً للاعتِداء؟
المُعطياتُ لا تُشيرُ إلى عَشوائيّة، بَل إلى خَللٍ فادِحٍ فِي التَّقديرِ والتَّخطيط. فأيُّ عَمليّةٍ مَيدانيّة، مَهمَا كانَت طَبيعتُها، يَجبُ أن تقومَ علَى مَعلوماتٍ دَقيقَة، وتَغطيةٍ مُحكمَة، وخُطّةِ انسحابٍ مَدروسَة. إنَّ غِيابَ أيٍّ مِن هذِه العَناصرِ ليسَ تَفصيلاً عابِرا، بَل خَطأٌ جَسيم. وعِندما يَدفعُ عَناصرُ المَيدانِ ثَمنَ هَذا الخَلل، تَتحوّلُ المَسألةُ مِن تَقصيرٍ إِداريٍّ إلى مَسؤوليّةٍ مُباشَرة.
ولا يتوقّفُ الأمرُ عندَ حدودِ التَّنفيذ، بَل يَمتدُّ إلى عُمق البُنيةِ الأمنيَّة. فكانَ التَنسيقُ بَين الأجهزةِ معدوماً وكُلّ جِهةٍ تَعملُ بمَعزلٍ عَن الأخرَى ضِمن مَنطقِ “الجُزر الأمنيَّة”، وفِي مِثلِ هذهِ الحَالات، لا يَكونُ غِياب التَّنسيقِ مجَازيّا، بَل قاتلاً بالمعَنى الحَرفيّ؛ إذ يَكتشفُ العُنصر، الّذي يُفترضُ أنّهُ مَحميّ، أنّهُ وَحيدٌ فِي المَيدان.
الزّاويةُ الأخطرُ تَكمنُ فِي احتمالِ وُجودِ إهمالٍ أو استخفافٍ فِي تَقييمِ المَخاطِر. إنّ الإبقاءَ علَى عَناصرَ فِي بِيئةٍ مُتوتّرةٍ مِن دونِ تأمين ِالغَطاءِ الكافِي لا يعدُّ مُجرّدَ سُوءِ تَقدير، بَل قراراً يَستوجبُ المُساءلَة. بدأً مِن مصدرِ الأمر و الموافقةِ علَيه، وصولاً إلى مراقبَة التَّنفيذ، هذِه ليسَت خطواتٍ تِقنيَّة، بَل إجراءاتٌ حاسِمةٌ فِي تَحديدِ المَسؤوليَّات.
أمّا ردُّ الفعلِ الرَّسميّ حتَّى الآن، فَلا يَرقى إلَى حَجمِ ما جَرى. فالبياناتُ لا تَحمي أحَدا، والتّعازِي لا تُعالجُ الخلَل. المَطلوبُ ليسَ احتواءً إعلامِيّا، بَل كَشفٌ صَريحٌ وشفَّاف: هَل كانَ هُناك خَطأ؟ ومَن يَتحمّلُ مَسؤوليّتهُ؟ وأينَ تَبدأُ المُحاسبَة؟ فأيُّ مُحاولةٍ لتدويرِ الزَّوايا اليَوم تَعني حُكماً إعادةَ إنتاجِ المَشهدِ نَفسهِ غَدا.
مَا حَدثَ فِي النّبطيّة ليسَ حادِثةً مَعزولَة، بَل إنذاراً قاسياً يَكشفُ خَللاً بُنيويّاً فِي إدارةِ العَملِ الأمنِيّ. فمَكمنُ الخَطرِ لا يَقتصرُ علَى الاستِهدافِ بحدِّ ذاتِه، بَل فِي قابِليّتهِ للحُدوثِ منَ الأصل. وهذِه القابِليّةُ لا تُعالَج بالشِّعارات، بَل بإعادةِ نَظرٍ جِذريّةٍ فِي آليّاتِ اتّخاذِ القَرار، وتَوزيعِ الأدوَار، وتأمينِ الحِمايةِ الفِعليّةِ للعَناصِر.
خُلاصةُ القَول، لَم تَعدِ القَضيّةُ حَدثاً عابراً وانتهَى، بَل مَساراً يَجبُ أن يَتغيَّر. فالأَخطرُ مِمّا جَرى، هُو احتمالُ تكرارِه. وإذَا لَم تَتحوَّل هذهِ الحادِثةُ إلى لحظةِ مُواجهةٍ حَقيقيّةٍ مَع مكامنِ الخَلل، فلَن يَكونَ السُّؤال: مَن التّالِي؟ بَل: كَم مَرّةً سَيَتكرّرُ المَشهدُ قَبلَ أن تَتحرّكَ الدَّولةُ فِعلًا؟
