- بقلم: علي رضوان سعيد
- تدقيق: فاطمة محمّد صالح الموسويّ
هناكَ أيّامٌ تُحفرُ فِي الذّاكرةِ بالدّمِ والنّارِ والدّمَار، ويومُ ٢٣ أيلولَ مِن العامِ ٢٠٢٤ أحدُها. فِي ذلكَ اليَوم، بدأَ العدوانُ الإسرائيليُّ يتكثّفُ عَلى مناطقَ واسعةٍ مِن لُبنان، خاصةً فِي الجنوبِ والبِقاع، مُستهدفاً أكثرَ مِن ١٢٠٠ هدفٍ فِي أوّلِ يومٍ للعُدوان.
كأيِّ صباحٍ روتينيٍّ فِي ظلِّ التّصعيدِ الّذِي سادَ خلالَ تلكَ الفَترة، بدأَ نهارُنَا فِي قريتِي “يحمر”. كُنّا قَد اعتدنَا علَى مَدى أيّامٍ أصواتَ الغـ.اراتِ الّتِي كانَت تطالُ أطرافَ القُرى بِشكلٍ مُتكرّرٍ ومُكثّف، نوهِمُ أنفُسَنا بأنَّ الخطرَ سيبقَى هناكَ فِي التِّلال. ولكِن فِي غُضونِ دقائقَ مَعدودة، انكسرَ هَذا الوَهم. امتدَّت آلةُ الدّمارِ لتضرِبَ قلبَ “يحمرَ” والقُرى المُحيطةَ بِها. لَم تعدِ الأصواتُ بعِيدة، بَل تساقطَتِ الصّـ.واريخُ فوقَ رؤوسِنا. سقطَت إحدَى الغـ.اراتِ عَلى بُعدِ أمتارٍ قليلةٍ مِن منزِلي، حجبَ الغبارُ الكثيفُ الرّؤيةَ تماماً وخنقَ الأنفاسَ لثوانٍ ثقيلَة، قبلَ أَن ينقشِعَ كاشفاً عَن هولِ مَجزرةٍ مروِّعة، ومحوّلاً الأحياءَ الآمِنةَ إلَى ساحاتِ رُكام، كأنّهُ خلالَ لحظاتٍ حلَّ الجَحيم.
ليسَ هَذا المشهدُ تجسيداً لمأساةٍ فَرديّة، بَل مرآةٌ صَغيرةٌ تَختصرُ مَا عاشَتهُ مئاتُ البلداتِ وآلافُ الأشخاصِ فِي الجنوبِ والبقاعِ فِي اللّحظةِ عينِها. كانَت حكايتُنَا هِي بنفسِها حِكايةَ كلِّ عائلةٍ في “النّبطيّة”، و”بنتِ جبيل”، و”صور”، وصولا” إلَى قُرى البقاعِ الغربيِّ وبعلبكَ والهِرمل. جميعُنَا استَيقظنَا علَى المشهدِ المُروّعِ نفسِه، وعلَى ذاتِ الذّهولِ والدّمارِ الّذِي لم يستثنِ أحَدا.
هكَذا بدأَ مَشهدُ النّزوحِ الكبيرِ الّذِي سيظلُّ كجرحٍ غائرٍ فِي الذّاكِرة. قَوافلٌ مِن السّيّاراتِ تكدّسَت عَلى الطُّرقات، عائِلاتٌ بأكملِهَا تركَت جنَى عمرِها وبيوتِها وذكرياتِها، وفرَّت بملابسِهَا فَقط. كانَتِ الوجوهُ شاحِبة، والعيونُ تائهةً تبحثُ عَن ملاذٍ آمنٍ فِي رحلةٍ قسريّةٍ نحوَ المَجهول، وسطَ أصواتِ الغـ.اراتِ الّتِي لَم تهدَأ والهلعِ الّذِي سيطرَ عَلى الأنفَاس.
لا نَنسى فِي ذلكَ اليومِ أيضاً، وعَلى الرّغمِ مِن بعضِ الأصواتِ الشَّاذّة، كيفَ ظهرَ المعدنُ الأصيلُ لِمواطنينَ احتضَنوا أبناءَ بلدِهِم، وأثبَتوا أنَّ مَا يجمعُ اللّبنانيّينَ أقوَى بكثيرٍ مِمّا يُمكنُ أَن يفرّقَهُم. فشُرِّعتِ الأبوابُ فِي الجبلِ وبيروتَ والشّمالِ والشُّوف، وتقاسَمَ النّاسُ رغيفَ الخبزِ والمَاء، وتداعَى الشّبابُ المُتطوّعونَ لِتأمينِ الأدويةِ والمُستلزماتِ فِي ظلِّ غيابٍ كاملٍ لأيِّ خطّةِ طوارِئَ أعدَّتَها الدّولةُ تحسّباً لمِثلِ هَذا المَشهد.
تعودُ الذّاكرةُ اليومَ إلَى ٢٣ أيلولَ ٢٠٢٤، أكثرَ مِن ٥٥٨ شـ.هيداً وآلافُ الجَرحى خلالَ ساعاتٍ قليلةٍ فِي واحدٍ مِن أكثرِ الأيّامِ دمويّةً فِي تاريخِ لبنانَ الحَديث. أرقامٌ لَا تختصِرُ حجمَ الألَم، لكِنَّها تَروي جزءاً مِن قصّةٍ عاشَها النّاسُ عَلى الأَرض. وراءَ كلِّ رقمٍ إسم، وعائِلة، وحكايةٌ لَم تكتَمل.
