هَل تلوحُ ملامحُ ربيعٍ أحمر فِي أوروبا؟

هَل تلوحُ ملامحُ ربيعٍ أحمر فِي أوروبا؟

بقلم : ماهر أحمد مرعي
تدقيق : فاطمة محمّد صالح الموسويّ

مِن باريس إلى بروكسل ومدريد وتيرانا، تتصاعدُ الإحتجاجاتُ فِي عددٍ من المدنِ الأوروبيَّة، وسطَ حضورٍ لافتٍ للشّبابِ والطّلّابِ والعُمّال، وعودةِ الأعلامِ الحمراءِ إلَى الشّوارِع. تتباينُ المطالبُ مِن بلدٍ إلَى آخَر، لكنَّ القاسمَ المشتركَ بينَها يتمثّلُ فِي الغضبِ منَ الأوضاعِ المعيشِيّة، وتراجعِ الخدماتِ العَامّة، وأزمةِ السَّكن، واتّساعِ الشّعورِ بأنّ السّياساتِ الإقتصاديّةَ لا تستجيبُ لحاجاتِ النَّاس. فهَل تبقَى هذهِ الاحتجاجاتُ تعبيراً عن غضبٍ اجتماعيٍّ فرضتهُ الأزماتُ المَعيشيّة، أم أنَّها تمهّدُ لعودةِ الأفكارِ اليساريّةِ ومطالبِ العدالةِ الإجتماعيّةِ إلَى صدارةِ المشهدِ الأوروبِيّ؟

فِي فرنسا، بدأتِ التّحرّكاتُ الطّلابيّةُ منَ الإعتراضِ علَى نقصِ المُدرّسين، وسوءِ التّجهيزاتِ المَدرسيّة، والاكتِظاظ، والصّعوباتِ الّتِي تواجهُ الطّلّابَ فِي الوصولِ إلَى الجامِعات. ثمَّ اتّسعَتْ دائرةُ الاحتجاجاتِ لتلتقيَ معَ مطالبَ اجتماعيّةٍ أوسعَ تتّصلُ بارتفاعِ تكاليفِ المعيشةِ وأسعارِ الوقودِ والسّكنِ والأجُور. ومعَ دخولِ النّقاباتِ وفئاتٍ اجتماعيّةٍ أخرَى علَى خطِّ المُواجهة، تحوّلَ الغضبُ مِن مشكلاتِ التّعليمِ إلَى تعبيرٍ أوسعَ عَن رفضِ السّياساتِ الإقتصاديّةِ والإجتماعيّةِ القائمَة.

وفِي بلجيكا، تصاعدَ الاعتراضُ علَى خططِ التّقشّفِ وخفضِ الإنفاقِ العَام، وسطَ مخاوفَ مِن انعكاسِها علَى القدرةِ الشّرائيّةِ والخدماتِ الإجتِماعيّة. أمّا فِي إسبانيا، فتبرزُ أزمةُ السّكنِ وارتفاعُ الإيجاراتِ باعتبارِهِما مِن أبرزِ أسبابِ الغضَب، ولا سيّما لدَى الشّبابِ الّذِينَ يجدونَ صعوبةً مُتزايدةً فِي الحُصولِ علَى مسكنٍ مُستقلّ. وفِي إيطاليا، خرجَ الطّلّابُ والعمّالُ إلَى الشّوارعِ احتِجاجاً علَى ارتفاعِ تكاليفِ المعيشةِ وتراجعِ القدرةِ الشِّرائيّة، فيمَا برزَتْ أزمةُ السّكنِ وارتفاعُ الإيجاراتِ ضمنَ المَطالب، وشهدَتْ مدنٌ عدّةٌ مواجهاتٍ بينَ متظاهرينَ والشّرطة. أمّا فِي البرتغال، فقد شهدَتْ لشبونة ومدنٌ أخرَى تظاهراتٍ للمُطالبةِ بأجورٍ أفضلَ وخدماتٍ عامّةٍ أكثرَ فاعِليّة، وسطَ تصاعدِ الغضبِ مِن ارتفاعِ أسعارِ المنازلِ والإيجاراتِ الّتِي باتَتْ تفوقُ قدرةَ كثيرٍ منَ المُواطنين، ولا سيَّما الشَّباب. وفِي ألمانيا، تحرّكَ طلّابٌ فِي برلين وأغلقُوا مداخلَ عددٍ منَ المَدارس، مطالبينَ بزيادةِ الإنفاقِ علَى التّعليمِ ورافضينَ خفضَ التّمويلِ والعودةَ إلَى التّجنيدِ الإلزامِيّ، كمَا عبَّروا عَن تضامنِهِم معَ الإحتجاجاتِ الطّلابيّةِ فِي فرنسا. وفِي ألبانيا، تتّخذُ الإحتجاجاتُ الطّلابيّةُ مَنحى آخَر، معَ مطالبَ بتحسينِ التّعليمِ الجامعيِّ ومواجهةِ الفسادِ وتوفيرِ فرصِ العَمل. ورغمَ أنَّ التّحرّكاتِ فِي هذهِ البلدانِ ليسَتْ حركةً موحّدةً تقودُها جهةٌ واحِدة، فإنّ المشهدَ الأوروبيَّ يكشفُ عن أزماتٍ مُتقاربة، وعَن تأثيرٍ متبادلٍ بينَ بعضِ الإحتِجاجات، ولا سيّما بينَ الطُّلّاب.

وسطَ هذهِ المَشاهد، يبرزُ حضورُ الأعلامِ الحمراءِ بِما تحملُهُ مِن دلالاتٍ تاريخيّةٍ ارتبطَتْ بالحركةِ العمّاليّةِ والإشتراكيّةِ والشُّيوعيّة، وبالنّضالِ مِن أجلِ حقوقِ العمّالِ والعدالةِ الإجتِماعيّة. ولا يَعني رفعُ العلمِ الأحمرِ بالضّرورةِ أنَّ جميعَ المشاركينَ ينتمونَ إلَى تيّارٍ سياسيٍّ واحِد، لكنّهُ يعيدُ إلَى الواجهةِ أسئلةً قديمةً تتجدّدُ كلّمَا اتّسعتِ الفجوةُ بينَ الأغنياءِ والفُقراء: لِمن تُبنى السّياساتُ الإقتِصاديّة؟ ومَن يتحمّلُ كلفةَ الأزمَات؟

ارتبطتِ الشّيوعيّةُ فِي الفكرِ السّياسيّ والأدبيّ بالأملِ فِي تجاوزِ الإستغلالِ واللامُساواة، وبالسّعيِ إلَى بناءِ مجتمعٍ لا تتحكّمُ فيهِ الثّروةُ بمصائرِ البَشر. وقَد شهدتِ التّجاربُ الّتِي رفعَتْ هَذا الشّعارَ إخفاقاتٍ وانحرافاتٍ تاريخيّةً لا يمكنُ تجاهلُها، لكنَّ تلكَ الإخفاقاتِ لَم تُنهِ الأسئلةَ الّتِي طرحتْهَا حولَ العدالةِ وتوزيعِ الثّروةِ وحقوقِ الطّبقاتِ العامِلة. فحينَ يشعرُ النّاسُ بأنَّ العملَ لا يضمنُ حياةً كريمَة، وأنَّ السّكنَ والتّعليمَ والصّحّةَ تتحوّلُ إلَى أعباءٍ مُتزايدة، تعودُ الأفكارُ اليساريّةُ إلَى النّقاشِ العَامّ.

ويستحقُّ حضورُ الشّبابِ فِي هذهِ الإحتجاجاتِ التّوقّفَ عندَه، فهُم يواجهونَ صعوبةً فِي تحمّلِ تكاليفِ التّعليمِ والسّكن، فيمَا تَبدو فرصُ العملِ أقلَّ مِن طموحاتِهم. لذلِك، لا تقتصرُ مطالبُهم علَى تحسينِ ظروفِهم المعِيشيّة، بَل تمتدُّ إلَى مستقبلٍ يريدونَ أن يكونَ لهُم فيهِ مكانٌ، وإلَى أنظمةٍ سياسيّةٍ يأملونَ أن تَسمعَ أصواتَهُم وتأخذَ مطالبَهُم علَى محملِ الجدّ.

ومعَ ذلِك، فإنَّ إطلاقَ تسميةِ «الرّبيعِ الأوروبيّ» علَى هذهِ التّحرّكاتِ يبقَى أمراً سابقاً لأوانِه. فقَد حملَتْ مراحلُ تاريخيّةٌ عديدةٌ بداياتٍ واعِدة، قبلَ أن تتراجعَ آمالُ التّغييرِ أو تنتهيَ النّتائجُ إلَى مَا خالفَ تطلّعاتِ المُحتجّين. لذلِك، لا يكَفي اتّساعُ التّظاهراتِ أو كثافةُ الأعلامِ فِي الشّوارعِ للحكمِ بأنّ تحوّلاً تاريخيّاً قَد بدَأ؛ فالاختبارُ الحقيقيُّ يكمنُ فِي قدرةِ هذهِ الحركاتِ علَى تحويلِ الغضبِ إلَى تنظيمٍ ومطالبَ واضحةٍ وتغييراتٍ ملموسَة.

وتُنسبُ إلَى “أنطونيو غرامشي” مقولةٌ تختصرُ هذهِ المُفارقة: «أنا متشائمٌ بسببِ الذَّكاء، ولكنَّني متفائلٌ بسببِ العَزيمة». لكنَّ التّجاربَ السّابقةَ تجعلُ التّفاؤلَ حذِرا، رغمَ ما تمنحُه هذهِ الإحتجاجاتُ مِن أمَل. فهَل تنجحُ هذهِ التّحرّكاتُ فِي إحداثِ تغييرٍ حقيقيٍّ يعيدُ العدالةَ الإجتماعيّةَ إلَى الواجِهة، أم ستخمدُ الإحتجاجاتُ وتبقَى المطالبُ معلّقةً كمَا حدثَ فِي تجاربَ سابِقة؟

قَد لا يكونُ الحديثُ عَن ربيعٍ أوروبيٍّ جديدٍ محسُوماً بَعد، لكنَّ عودةَ الأعلامِ الحمراءِ إلَى الشّوارعِ تذكّرُ بأنّ مطالبَ العدالةِ والمساواةِ لَم تختفِ، وأنَّ الأملَ فِي عالمٍ أكثرَ إنصافاً لا يزالُ قادراً علَى تحريكِ الأجيَال.