بقلم: ريم محمّد عيد رمضان.
تدقيق: هادي محمود نصّار
يَعيشُ لُبنانُ علَى وقعِ أزماتٍ مُتتاليةٍ لا تكادُ تندمِلُ إحداهَا حَتّى تَستَعر أُخرى، لتُشكِّلَ المادّةُ البِتروليّةُ حلقةً جَديدةً فِي سِلسلةِ الضُّغوطِ اليَوميّةِ الّتي تُطوِّقُ المُواطنِين. ومَع الإرتِفاعِ المُستمرِّ فِي أسعارِ النفط عالميّاً وانعِكاسهِ المُباشرِ علَى السّوقِ المَحلّيّ، أصبَحتِ المَحروقاتُ عِبئاً ثَقيلاً يهدِّدُ قدرةَ العَائلاتِ علَى البقاءِ والإنتَاج. لَم تعُد صَفيحةُ البنزينِ مُجرّدَ سِلعةٍ استِهلاكيَّة، بَل تحّولَت إلى مؤشِّرٍ يُحدِّدُ مدَى قُدرةِ المُواطنِ علَى الحَركَة، وإمكانيَّةِ الوُصولِ إلى مكانِ عملِه أو مقَاعدِ الدِّراسَة. وأمَامَ هذا الوَاقعِ الخَانق، كيفَ يؤثِّرُ ارتفاعِ أسعارِ النّفطِ المُباشرِ علَى واقعِ المُوظّفينَ والطُّلابِ فِي لُبنان، ومَا هِي أبعادُ هذهِ الأزمَةِ علَى استِمراريَّةِ القِطاعينِ التَّعليميِّ والوَظيفِيّ؟
باتَ ارتفاعُ أسعارِ البنزينِ والدّيزِل يشكِّلُ استِنزافاً حَقيقيّاً لمَدخولِ المُوظّفينَّ والعمّالِ فِي لُبنان، حيثُ تَلتهمُ فاتورةُ التّنقُّلِ اليَوميّةِ نِسبةً كُبرَى مِن الرَّواتِب الّتي فَقدَت قيمَتها الشِّرائيّة. يَجدُ الكثيرُ مِن العَاملينَ فِي القِطاعينِ العَام والخَاصِ أنفُسهُم أمامَ مُعادلةٍ قاسِيةٍ: فإمَّا إنفاقُ أكثرَ مِن نصفِ الأجرِ الماليِّ لمُجرّدِ الوُصولِ إلَى مقرِّ العَمل، أو اللُّجوءُ إلى خياراتٍ بديلةٍ كتَقليصِ أيّامِ الحُضورِ والعَملِ عَن بُعد، وهُو مَا لا يُتاحُ للجَميع. هَذا الوَاقعُ أدّى إلى تراجعِ الإنتاجيّةِ وزيادةِ الضُّغوطِ النّفسيَّةِ والمَاليَّة علَى الأُسر، إلَى جانِبِ ارتفَاعِ تكاليفِ السِّلعِ الأسَاسيّة والمُولّداتِ الخاصّةِ الّتي تَعتَمدُ كليّاً علَى المَحروقَات، مِمّا وضعَ القُدرةَ التَّشغيليّةِ للمُؤسّساتِ والمُوظّفينَ علَى حدٍّ سَواء علَى المِحكّ.
لَم تَكُن المَنظومةُ التّعليميةُ بمعزلٍ عن أزمةِ المَحروقات؛ بَل أصبَحت تكلفةُ التنقّلِ شائكةً تؤرّقُ طلّابَ المَدارسِ والجَامعاتِ وأولِياءَ أمُورهِم. ارتَكبت زيادةُ أسعارِ الوقودِ ارتفاعاً باهظاً فِي اشتراكاتِ الحَافلاتِ المَدرسيّةِ (الفانات) وأجورِ النّقلِ العامّ، ممّا دفعَ بعضَ العائلاتِ للبحثِ عن حلولٍ قاسيةٍ للحدِّ مِن المَصاريف، كدَمجِ الرّحلاتِ أو حتَّى التغيّبِ القَسريِّ فِي بعضِ الأيّام. أمّا علَى مُستوى الجامِعات، فإنَّ الكثيرَ مِن الطُّلابِ باتُوا يواجهونَ صعوبةً بالغةً في تحمّلِ مصاريفِ التنقّلِ اليوميّةِ بينَ المُحافظاتِ والمَناطقِ البَعيدة، ممَّا يهدّدُ تحصيلَهمُ العِلميَّ ويضغطُ على المؤسَّساتِ التَّعليميّةِ للتّكيُّفِ عبرَ فرضِ نظامِ التّعليمِ الهَجين، لتَتحوّلَ المَحروقاتُ مِن أزمةٍ اقتصاديّةٍ إلى عائقٍ إضافيٍّ أمامَ مُستقبلِ الجِيلِ الشّاب.
فِي المُحصِّلة، لا يمثِّلُ ارتفاعُ أسعارِ النّفطِ في لبنانَ مجرّدَ أزمةِ طاقةٍ عابِرة، بَل هُو شريانٌ حيويٌّ مشلولٌ يمتدُّ أثرُهُ ليمسَّ أمنَ المواطنِ الاجتِماعيَّ والاقتِصاديَّ والتّعليميّ. إنَّ استمرارَ هذا النّزفِ الماليِّ دونَ خطّةِ نقلٍ عامّةٍ شاملةٍ أو معالجاتٍ جذريّةٍ لسياساتِ الأجورِ والدّعمِ الموجَّه، يضعُ الاستقرارَ الاجتِماعيَّ بأكملِهِ أمامَ اختبارٍ صَعب. فهَل تستَدركُ الجهاتُ المعنيّةُ حجمَ الأزمةِ وتضعُ استراتيجيّاتٍ مُستدامةً للنّقلِ والتَّعويض، أم أنَّ اللُّبنانيّينَ سيبقونَ رهينةً لتقلُّباتِ أسعارِ النّفطِ العالميّةِ والمحلّيّةِ علَى حسابِ مستقبلِكَ وقوتِ يومِهِم؟
