بقلم: زهراء سمير الحاج علي
تدقيق : فاطمة محمّد صالح الموسويّ
أعادَت قضيّةُ المراهقِ اللّبنانيِّ “ماتياس حبيب”، البالغِ منَ العمرِ خمسةَ عشرَ عَاما، والّذِي رفعَت عائلتُهُ دعوَى قضائيّةً ضدَّ شركةِ OpenAI متّهمةً تطبيقَ ChatGPT بالمساهمةِ فِي وفاتِه، طرحَ تساؤلاتٍ حولَ علاقةِ الأجيالِ الناشئةِ بالفلسفةِ والذكاءِ الصِّناعيّ. فبحسبِ روايةِ العَائلة، بدأَت محادثاتُ «ماتياس» معَ التّطبيقِ تأخذُ مَنحى غيرَ عاديٍّ بعدَ قراءتِه كتابَ «التأمّلاتِ» للفيلسوفِ “ماركوس أوريليوس”، ثمَّ بحسبِ الدّعوى انتقلَتِ المحادثاتُ إلَى أفكارِ “فريدريك نيتشه” والعَدميّة، ويتضمّنُ نصُّ الدَّعوى مقطعاً منسوباً إلَى ChatGPT يشرحُ العدميّةَ وموقفَ “نيتشه” منَ القِيم، ويبرزُ مِنها تساؤلاتٌ منسوبةٌ إلَى “ماتياس” عَن جَدوى مواصلةِ الحياةِ إن كانَ المَعنى معدُوما. وبينَما تبقَى المسؤوليّةُ القانونيّةُ للشّركةِ موضعَ نزاعٍ قَضائيّ، تبرزُ إشكاليّةٌ تربويّةٌ مُهمّة: هَل تدفعُنَا مأساةُ “ماتياس حبيب” إلَى الخوفِ منَ الفلسفةِ وكبحِ فضولِ المُراهقين؟
وفِي هَذا الصَّدد، يُلاحظُ أنَّ الإنسانَ يمرُّ خلالَ مختلفِ فتراتِ حياتِهِ بتحوّلاتٍ تدفعُهُ إلَى طرحِ تساؤلاتٍ فلسفيّةٍ حولَ الهويّةِ والحريّةِ والموتِ ومَغزى الوجُود. وهذهِ التّساؤلاتُ هِي تعبيرٌ عَن فضولِ الإنسانِ وسعيِهِ الطّبيعيِّ إلَى المعرِفة. لكنَّ المشكلةَ تكمنُ فِي غيابِ التّوجيهِ والمساحاتِ الآمنةِ للحِوار، مَا يدفعُهُ للذّهابِ إلَى خيارٍ متاحٍ وسهلٍ أكثَر، وهوَ أدواتُ الذّكاءِ الصّناعيِّ ومنصّاتُ التّواصلِ الإجتِماعيّ.
والذّكاءُ الصّناعيُّ تحديداً يتأثّرُ بطريقةِ صياغةِ المُستخدمِ لأسئلتِه، وقَد يميلُ أحياناً إلَى تأييدِ أفكارِه بدلاً مِن مساءلتِها، فِي ظاهرةٍ تُعرفُ بـ«Sycophancy»، أي ميلُ النّموذجِ إلَى مجاراةِ المستخدمِ وموافقتِه، حتَّى عندَما تكونُ بعضُ آرائِه غيرَ صحيحةٍ أو تحتاجُ إلَى اعتِراض. وقَد أقرّتْ شركةُ OpenAI بهذهِ المشكلةِ عندمَا تراجعَت عامَ 2025 عَن تحديثٍ جعلَ أحدَ نماذجِها مفرطاً فِي الموافقةِ والمُجاملة. وهكَذا قَد يتحوّلُ التّطبيقُ إلَى مرآةٍ تعكِسُ قناعاتِ المستخدمِ الخاصّةِ الذّاتيّة، بَل قَد تضخّمُها، وتكمنُ المشكلةُ هُنا فِي أنَّ المراهقَ قَد يتعاملُ معَ إجابتِهِ باعتبارِهَا حقائقَ مُكتملة، مِن دونِ إدراكِ أنَّ فهمَ المسائلِ الفلسفيّةِ مثلاً يتحقّقُ بعدَ عدّةِ محطّاتٍ دِراسيّة، أهمُّها فحصُ الصّيرورةِ التّاريخيّةِ الّتِي أنتجَتها.
فِي ضوءِ ذلِك، لا يمكنُ فهمُ مَا كتبَه “نيتشه” حكماً بانعدامِ قيمةِ الحَياة، فَقد عايشَ “نيتشه” أزمةً تاريخيّةً بدأَت خلالَها الأسسُ القبليّةُ الّتِي استمدَّ مِنها الإنسانُ الأوروبيُّ قيمَهُ ومعانِيه،تفقدُ سلطتَهَا السّابِقة، ومِن هُنا نشأَت مشكلةُ العدميّةِ عندَ “نيتشه”، وسألَ: مَاذا يحدثُ عِندما تفقدُ القيمُ العَليا قدرتَها علَى إعطاءِ معانٍ جاهزةٍ للإنسَان؟
وهُنا يظهرُ الفرقُ بينَ قراءةِ عبارةٍ فلسفيّةٍ مَعزولة، ودراسةِ الإشكاليّةِ الّتِي دفعَت صاحبَها إلَى صياغتِها.
مِن هَذا المُنطلق، تبرزُ أهميّةُ وجودِ «مرشدٍ فلسفيٍّ» للإنسانِ فِي مختلفِ مراحلِ حياتِه، تكونُ مهمّتُه مرافقتَه فِي فهمِ الأفكارِ وتحليلِها.
وتصفُ “مونيكا فيلهاور”، في مقالٍ نشرتْه فِي Psychology Today، مَا يَجري فِي جلسةِ الإرشادِ الفَلسفيّ، فتقولُ: «فِي جلسةِ الإرشادِ الفَلسفيّ، نبدأُ بالحديثِ عنِ الصّعوباتِ الّتِي تواجهُكَ حاليّاً فِي حياتِك، ونعملُ علَى تحديدِ بعضِ الإفتراضاتِ الكامنةِ وراءَ تلكَ الصّعوباتِ وجعلِها واضِحة. نفحصُ افتراضاتِكَ مَعا، ونتأمّلُ فِي تأثيرِها علَيك، وننظرُ فِي بعضِ البدائلِ الّتِي قَد تكونُ أكثرَ دقّةً ومرونةً وتمنحُكَ قدرةً أكبرَ علَى الفَعل. ونعملُ علَى تغييرِ طُرقِ تفكيرِكَ القديمَة، ثمَّ نفكّرُ فِي كيفيّةِ تطبيقِ مَا توصّلْنَا إليهِ مِن فهمٍ جَديد».
وبهَذا يكونُ سؤالٌ مِثل «إذَا كانَتِ الحياةُ بِلا مَعنى، فلِماذا أعِيش؟» مفتاحاً للولوجِ إلَى ذهنِ الإنسانِ والبدءِ بمساءلةِ العلاقةِ الّتِي يفترضُهَا السّؤالُ بينَ المَعنى والوجُود، فمَا المقصودُ بالمَعنى أصلا؟ وهَل يحتاجُ الإنسانُ إلَى غايةٍ محدّدةٍ مسبقاً كَي تكونَ لحياتِهِ قِيمة؟ وهَل يمكنُ أن تتشكّلَ مَعاني الحياةِ تدريجيّاً مِن خلالِ تجاربِ الحَياة؟
ويتناولُ الباحثانِ “برنت شنيبكه ومايكل ماكاي”، فِي دراستِهِما «القَضايا الوجوديّة فِي العلاجِ النّفسيّ»، التّمييزَ بينَ البحثِ عنِ المَعنى وصناعةِ المَعنى، فقَد يبحثُ الإنسانُ عمَّا يمنحُ حياتَه مَعنى فِي مجالاتٍ وتجاربَ مُختلفة، وقَد يَسعى أيضاً إلَى صناعةِ مَعنى فِي ظروفٍ يشعرُ فيهَا بأنّهُ عالِق، أو لَم يعدْ يجدُ فيهَا الغايةَ الّتِي كانَ يجدُهَا سابِقا.
غيرَ أنَّ مثلَ هَذا الحوارِ يتطلّبُ أيضاً الانتباهَ إلَى الحالةِ النّفسيّةِ للمُراهق، والتّمييزَ بينَ التّساؤلِ النّظريِّ والتّعبيرِ عَن رغبةٍ فعليّةٍ فِي المَوت، وهِي حالةٌ تستَدعي تدخّلاً نفسيّاً مُتخصِّصا.
وفكرةُ الحوارِ أو الإرشادِ الفلسفيِّ ليسَت جَديدة، فقَد أسهمَ الفيلسوفُ “ماثيو ليبمان” فِي تطويرِ منهجِ «الفلسفةِ للأطفَال»، الّذِي يقومُ علَى تنميةِ التّفكيرِ النّقديِّ مِن خلالِ التّساؤلِ والحوارِ الجماعِيّ. لكنَّ الحاجةَ اليومَ قَد تتجاوزُ هَذا، وقَد تحتاجُ إلَى توفيرِ مرشدٍ فلسفيٍّ مؤهّلٍ يستطيعُ الأهلُ الإستعانةَ بهِ لمرافقةِ أبنائِهم فِي قراءةِ النّصوصِ الّتِي تثيرُ اهتمامَهم ومناقشةِ أسئلتِهم الوجُوديّة، بالتّكاملِ معَ دورِ الأسرةِ والمدرسةِ والإرشادِ النَّفسيّ. والغايةُ تكونُ منحَهم مساحةً إنسانيّةً آمنةً يستطيعونَ فيهَا التّعبيرَ عَن شكوكِهم ومراجعةِ قناعاتِهم وبناءِ قناعاتٍ جَديدة، أي باختِصار، يستطيعُ الإرشادُ الفلسفيُّ توفيرَ الأرضيّةِ المستقرّةِ للإنسانِ لممارسةِ فضولِه بأمَان، كَما أنَّ وجودَ هَذا المرشدِ قَد يساعدُهُم علَى التّعاملِ معَ الذّكاءِ الإصطناعيِّ بوصفِه وسيلةً للبحثِ والتعلّمِ فقَط.
فِي المُحصّلة، تدفعُنا هذهِ القضيّةُ إلَى إعادةِ النّظرِ فِي الطّريقةِ الّتِي نهيّئُ بهَا الأجيالَ النّاشئةَ لمواجهةِ الأسئلةِ الكُبرى، وهذهِ الأسئلةُ لا مهربَ مِنها، فهِي الطّريقةُ الّتِي يعبّرُ بِها الإنسانُ عَن فضولِه الطّبيعِيّ، وفِي زمنٍ باتَت فيهِ الإجابةُ متاحةً خلالَ ثَوان، تصبحُ مهمّةُ الأهلِ والمؤسّساتِ التّربويّةِ توفيرَ مَن يساعدُ الأبناءَ علَى تعلّمِ فنِّ السُّؤال، وهوَ الأكثرُ أهميّةً مِن استهلاكِ الإجاباتِ السّريعةِ الجاهِزة.
فهَل حانَ الوقتُ ليصبحَ الإرشادُ الفلسفيُّ جزءاً منَ التَّربية، قبلَ أن يتركَ المراهقونَ أسئلتَهم، بَل ورغباتِهِم الأكثرِ عُمقا، فِي عُهدةِ الخَوارزميّات؟
