بقلم: ماهر أحمد مرعي
تدقيق : فاطمة محمّد صالح الموسويّ
تقليصُ حصصِ الفلسفةِ والتّاريخِ والتّربيةِ وعلمِ الإجتماعِ ودمج بعضِها يفتحُ بابَ التّساؤلِ حولَ مَا يتعلّمُهُ الطَّالب، ومَا يخسرُهُ معَ تراجعِ الإهتمامِ بهذهِ المَوادّ.
فِي المدرسةِ اللُّبنانيّة، لا يقتصرُ دورُ التّعليمِ علَى إيصالِ المعلوماتِ إلَى الطّلّابِ ومُساعدتِهم علَى اجتيازِ الإمتِحانات. فالمدرسةُ نفسُهَا مسؤولةٌ أيضاً عَن إعدادِهِم للحَياة، ومُساعدتِهم علَى فهمِ المجتمعِ الّذِي يعيشونَ فِيه، والتّعاملِ معَ الآخَرين، وتكوينِ آرائِهم والتّعبيرِ عَنها، وفهمِ تاريخِ بلدِهم والتّحوّلاتِ الّتِي يمرُّ بِها.
لكنَّ بعضَ المُمارساتِ المُعتمدةِ فِي المَدارسِ الخاصّةِ تثيرُ تساؤلاتٍ حولَ الاهتمامِ الّذِي تَحظى بهِ الموادُّ الأدبيّةُ والإنسانيّةُ والإجتِماعيّة، وحولَ موقعِها فِي العمليّةِ التّعليميَّة. فحينَما تُخفَّضُ حِصصُ هذهِ المَوادّ، أو تُدمَجُ مادّتانِ فِي حصّةٍ واحِدة، أو يُختصرُ تدريسُهَا فِي حفظِ المعلوماتِ استعداداً للامتِحانات، أو يبدأُ تدريسُهَا فِي المرحلةِ المُتوسِّطة، يصبحُ منَ الضّروريِّ أن نسألَ عنِ المساحةِ الّتِي نتركُها للطّالبِ كَي يفكِّرَ ويناقشَ ويفهمَ مَا يتعلّمُه.
المشكلةُ هُنا تتجاوزُ حدودَ مادّةٍ واحدةٍ أو مرحلةٍ دراسيّةٍ مُحدّدة، وترتبطُ بطريقةِ التّعاملِ معَ مجموعةٍ منَ الموادّ الّتِي تُسهمُ فِي بناءِ شخصيّةِ الطّالبِ وتَعميقِ فهمِهِ لنفسِهِ ولمُجتمعِه. وهُنا يبرزُ سؤالٌ جَوهريّ: مَا نوعُ الشّخصيّةِ الّتِي نريدُ أن تبنيَهَا مَدارسُنا لَدى طُلّابِها؟
بدايةُ المُشكلةِ منَ الصّفوفِ الأولَى.
فِي بعضِ المدارسِ الخَاصّة، لا تَحظى موادٌّ مثلُ التّربيةِ والتّاريخِ والجُغرافيا والإجتماعِ بالإهتمامِ الكَافي. ويمكنُ ملاحظةُ ذلكَ فِي مدارسٍ لا تبدأُ تدريسَ مادّةِ التّربيةِ بصورةٍ مستقلّةٍ إلّا فِي الصّفِّ السَّابع، أي عندَما يكونُ الطّالبُ قَد بلغَ نحوَ الثّانيةَ عشرةَ مِن عمرِه، وبدأَت تتشكّلُ لديهِ تصوّراتٌ عَن نفسِه وعنِ الآخرينَ وعنِ المجتمعِ الّذِي ينتَمي إلَيه.
فِي المُقابل، تبدأُ مدارسٌ أُخرى تدريسَ التّاريخِ فِي صفوفٍ أبكَر، بِما يتيحُ للطّلّابِ التّعرّفَ تَدريجيّاً إلَى الأحداثِ والشّخصيّاتِ والتّحوّلاتِ التّاريخيَّة. ويكشفُ هَذا الاختلافُ عَن تفاوتٍ فِي توزيعِ الموادِّ وفِي توقيتِ تدريسِها، ويدفعُ إلَى التّساؤلِ عنِ المَعاييرِ الّتِي تعتمِدُها المدارسُ عِندَ وضعِ خططِها التّعليمِيّة.
فاحترامُ الآخَر، وتحمّلُ المَسؤوليّة، وفهمُ الحقوقِ والواجِبات، وفهمُ حريّةِ الرأيِ والتّعبِير، وإدراكُ مفهومِ القيمِ والأخلاقِ أمورٌ أساسيّةٌ فِي تربيةِ الطّالب، ومِن غيرِ المقبولِ تأجيلُ ترسيخِها إلَى المرحلةِ المتوسِّطة. يستطيعُ الطفلُ أن يتعلّمَ هذهِ المبادئَ منذُ سنواتِه الأولَى، مِن خلالِ مواقفَ تناسبُ عمرَه، وأنشطةٍ تساعدُهُ علَى فهمِ مَعنى التّعاونِ والأخلاقِ والاحترامِ والعدالةِ وتحمّلِ نتائجِ أفعالِه.
ولا يمكنُ تقييمُ دورِ مادّةِ التّربيةِ مِن خلالِ عددِ حصصِها فِي الجدولِ المَدرسيّ وحدَه؛ فالأهمُّ هُو مَا يتعلّمُهُ الطّالبُ مِنها، ومَدى استعدادِ المدرسةِ لمُساعدتِه علَى فهمِ حقوقِهِ وواجباتِه، واحترامِ الاختِلاف، والتّعاملِ معَ الآخرِين، وتحمّلِ مسؤوليّتِهِ داخلَ المُجتمع.
وقَد يَرى البعضُ أنَّ القيمَ يمكنُ تعليمُها مِن خلالِ التّربيةِ الدينيَّة، سواءُ الإسلاميّةِ أو المَسيحيّة، أو مِن خلالِ سلوكِ المعلِّمينَ والحياةِ المدرسيّةِ عُموما. ولا شكَّ فِي أهمّيّةِ هذهِ الجوانبِ فِي تكوينِ شخصيّةِ الطّالِب، لكنَّ فهمَ المُواطنةِ والحقوقِ والواجباتِ والعلاقاتِ الإجتماعيّةِ يحتاجُ أيضاً إلَى تعليمٍ واضِح، يتيحُ للطّلّابِ مناقشةَ هذهِ القَضايا وربطَهَا بالمواقفِ الّتِي يواجِهونَها فِي حياتِهِم اليوميَّة.
فالطالبُ نفسُهُ يحتاجُ إلَى فهمِ القيمِ الّتِي يتعلّمُها وتطبيقِها فِي حياتِه اليَوميّة، مِن خلالِ مناقشتِهَا وربطِهَا بالمَواقفِ الّتِي يُواجهُها. فكلّمَا أُتيحَت لهُ فرصةُ التّفكيرِ فِيها واختبارِ معنَاها عمَليّا، ازدادَ وعيُهُ بمسؤوليّاتِهِ تجاهَ نفسِه والآخَرين.
اختزالُ الموادِّ الإجتماعيّةِ فِي حصّةٍ واحِدة ..
تظهرُ مشكلةٌ أُخرى فِي بعضِ الثّانويّاتِ الّتِي تجمعُ مادّتَي علمِ الإجتماعِ والإقتصادِ فِي حصّةٍ واحِدة، خصوصاً فِي المَساراتِ الّتِي لا تتوافرُ فيهَا شعبةُ الإقتصادِ والإجتماعِ (SE) بصورةٍ مُستقِلّة. وفِي مثلِ هذهِ الحَالات، قَد لا يحصلُ كلُّ اختصاصٍ علَى الوقتِ الّذِي يحتاجُ إلَيه، فتُعرضُ الموضوعاتُ بسُرعة، ويصبحُ التّوسّعُ فِيها أو مُناقشتُها أمراً صَعبا.
فعلمُ الإقتصادِ يساعدُ الطّالبَ علَى فهمِ العملِ والإنتاجِ والتّوزيعِ والاستهلاكِ (العجلةِ الإقتِصاديّة)، والتّفاوتِ الإقتِصاديّ، والمشكلاتِ الّتِي تواجِهُ الأفرادَ والمُجتمعات. أمَّا علمُ الإجتِماع، فيعرّفُه إلَى طبيعةِ العلاقاتِ الإجتِماعيّة، ودورِ الأسرةِ والمؤسَّسات، وتأثيرِ الظّواهرِ الإجتِماعيّة، والتّحوّلاتِ الّتِي تتركُ أثرَها فِي حياةِ النّاسِ وسلوكِهم. ولكلٍّ منَ المادّتَينِ مفاهيمُها ومَناهجُها وموضوعاتُها. وعِندما يُختصرُ تدريسُهُما فِي حصّةٍ واحِدة، قَد يجدُ المعلِّمُ نفسَهُ مُضطرّاً إلَى التّركيزِ علَى المعلوماتِ الأساسيَّة، علَى حسابِ النّقاشِ والتّحليلِ وربطِ الدّروسِ بالواقِع.
وتكتسبُ هذهِ المسألةُ أهمّيّةً أكبرَ فِي لُبنان، فِي ظلِّ الأزماتِ الإقتصاديّةِ والإجتماعيّةِ الّتي يعيشُها المُجتمع، وما تفرضُهُ مِن تحدّياتٍ تمسُّ حياةَ الأفرادِ وفرصَ العملِ والتّعليمِ والعلاقاتِ بينَ الفئاتِ الإجتِماعيّة. وهَذا مَا يجعلُ فهمَ الطّالبِ لهذهِ القَضايا ضرورةً تساعدُهُ علَى قراءةِ واقعِهِ وفهمِ العواملِ المؤثّرةِ فِي حياتِهِ ومُستقبلِه.
ولا يعني ذلكَ أنَّ دمجَ الموادِّ خطأٌ فِي جميعِ الحَالات؛ فقَد يكونُ التّكاملُ بينَها مفيداً عندمَا يقومُ علَى خطّةٍ واضِحة، وأهدافٍ تعليميّةٍ مُحدّدة، ووقتٍ كافٍ لتَحقيقِها. لكنَّ المُشكلةَ تبدأُ عِندما يُؤدّي الدّمجُ إلَى تقليصِ الوقتِ المُخصّصِ للتّعليمِ مِن دونِ مراعاةِ طبيعةِ كلِّ مادّةٍ ومُتطلّباتِها. لذلِك، ينبغِي أن يستندَ قرارُ دمجِ الموادِّ إلَى دراسةٍ تربويّةٍ واضِحة، لا إلَى اعتِباراتٍ تنظِيميّةٍ وحدَها، حتَّى لا يتحوّلَ اختصارُ الحصصِ إلَى تقليصٍ فِعليٍّ لمَا يتعلّمُهُ الطَّالب.
الفلسفةُ مِن حبِّ الحِكمةِ إلَى الحفظِ للامتِحان..
تحتاجُ الفلسفةُ إلَى مساحةٍ خاصّةٍ فِي هَذا النِّقاش، لأنَّها منَ الموادِّ الّتِي تساعدُ الطّالبَ علَى طرحِ الأسئلَة، وفحصِ الأفكَار، ومناقشةِ الآرَاء، وتقديمِ الحجَج، والتّمييزِ بينَ الرأيِ والمَعرفة. فِي بعضِ المَدارس، تُخفَّضُ الحصصُ المُخصّصةُ للفلسفةِ مِن ساعتَينِ إلَى ساعةٍ واحدةٍ أسبُوعيّا، ويشملُ ذلكَ الصّفَّينِ الحاديَ عشرَ والثّانيَ عَشر، حيثُ يستعدُّ طلّابُ الصّفِّ الثّانيَ عشرَ للإمتِحاناتِ الرّسميَّة. وفِي بعضِ الثّانويَّات، يُستغنَى عَن تدريسِ منهجِ الفلسفةِ والحضاراتِ المُقرّرِ للصّفِّ الحاديَ عَشر، ويُعتمدُ منهجُ الصّفِّ الثّانيَ عشرَ بدلاً مِنه، بهدفِ إعدادِ الطّلّابِ مُبكراً للإمتحاناتِ الرّسميَّة. وتطرحُ هذهِ الممارسةُ تساؤلاتٍ حولَ مَدى الاهتمامِ بتدريسِ الفلسفةِ فِي هذهِ المرحلَة، خصوصاً أنَّ الطّالبَ يُحرمُ مِن دراسةِ المنهجِ المُقرّرِ لصفِّه، ويُختزلُ تعلُّمُه للمادّةِ فِي التّحضيرِ للشّهادةِ الرّسميّة.
لكنَّ هذهِ الممارسةَ تطرحُ سؤالاً حولَ الغايةِ مِن تدريسِ الفَلسفة: هَل نريدُ منَ الطّالبِ أن يحفظَ المنهجَ ويستعيدَ المعلوماتِ فِي الإمتِحان، أم نريدُ أن يتعلّمَ كيفَ يفكّرُ ويحلّلُ ويناقِش؟
ترتبطُ الفلسفةُ بحبِّ الحكمةِ وطلبِ المَعرفة، ودراستُها تحتاجُ إلَى أكثرَ مِن حفظِ التَّعريفاتِ والنّظريّات. فالطّالبُ يحتاجُ إلَى فهمِ الإشكاليَّة، ومناقشةِ الأفكَار، ومقارنةِ المواقفِ الفَلسفيّة، وتقديمِ رأيِه معَ الحججِ الّتِي تدعمُه.
ولا يَعني ذلك أنَّ المعرفةَ الفلسفيّةَ أو تاريخَ الأفكارِ أقلُّ أهمّيّةً منِ النّقاشِ والتَّحليل. فالتّفكيرُ يحتاجُ إلَى مفاهيمَ ونصوصٍ ومعرفةٍ دقِيقة، كَما يحتاجُ إلَى وقتٍ يسمحُ للطّالبِ بفهمِ هذهِ المعارفِ ومناقشتِها وفحصِ الحججِ الّتِي تقومُ علَيها.
تتفاقمُ المشكلةُ عندمَا ينحصرُ تدريسُ الفلسفةِ فِي التّحضيرِ للإمتِحانات، فيصبحُ اهتمامُ الطّالبِ مُنصبّاً علَى حفظِ المعلوماتِ واستِرجاعِها يومَ الإمتِحان، علَى حسابِ التّفكيرِ فِي قَضايا الإنسانِ والحريّةِ والعدالةِ والحقيقةِ والمَعنى والذّات، ومناقشةِ الأفكارِ وفهمِ أبعادِها فِي الحياةِ والمُجتمع. ولا يمكنُ أن نطلبَ منَ الطّالبِ أن يطوّرَ تفكيرَهُ النّقديِّ إذَا كانتِ الحصّةُ لا تتركُ لَه وقتاً كافياً لطرحِ الأسئلةِ ومناقشةِ الأفكَار. فهذهِ المهاراتُ تحتاجُ إلَى ممارسةٍ مُستمرّة، وإلَى إدارةٍ واعِية، وإلَى معلّمٍ يستطيعُ إدارةَ النِّقاش، وإلَى بيئةٍ صفّيّةٍ تسمحُ للطّالبِ بالتّعبيرِ عَن رأيِهِ وتبريرِهِ ومراجعتِه.
لِماذا يتراجعُ الإهتمامُ بفرعِ الآدابِ والإنسانِيّات؟
معَ الانتقالِ إلَى المرحلةِ الثّانويّة، يبرزُ التّساؤلُ حولَ النّظرةِ السّائدةِ إلَى فرعِ الآدابِ والإنسانيّاتِ (LH)، وأسبابِ اعتبارِ بعضِ الطّلّابِ والأهالِي أنّهُ أقلُّ أهمّيّةً منَ الفروعِ الثّانويّةِ الأخرَى. لا يمكنُ تفسيرُ هذهِ النّظرةِ بعاملٍ واحِد، كَما لا يصحُّ تحميلُ المدارسِ الخاصّةِ وحدَها مسؤوليّةَ تراجعِ الإقبالِ عَليه. فاختياراتُ الطّلّابِ وأُسَرِهم تتأثّرُ بعواملَ مُتعدّدة، مِنها فرصُ العَمل، والاختِصاصاتُ الجامعيّةُ المُتاحة، والتّوقّعاتُ المتعلّقةُ بالمستقبلِ المِهنيّ، والصّورةُ الّتِي يحملُها المجتمعُ عنِ الموادِّ الأدبيّةِ والإنسانيّةِ وغيرِها. معَ ذلِك، تستحقُّ المُمارساتُ المدرسيّةُ أن تكونَ جزءاً مِن هَذا النّقاش. فإذَا أمضَى الطّالبُ سنواتِهِ الدّراسيّةَ فِي بيئةٍ تقلّصُ حصصَ الموادِّ الإنسَانيّة، وتتعاملُ معَها علَى أنّهَا موادٌّ ثانويَّة، وتعتمدُ فِي تدريسِها علَى الحفظِ والتّلقين، فمنَ الصّعبِ أن نطالبَهً لاحقاً باختيارِ فرعِ الآدابِ والإنسانيّاتِ انطلاقاً من اهتمامٍ حقيقيٍّ بهذهِ المَجالات.
كيفَ سيدركُ الطّالبُ أهمّيّةَ الفلسفةِ إذَا لَم يجدْ فِي الصّفِّ مساحةً لمناقشةِ الأفكارِ وطرحِ الأسئلة؟ وكيفَ سيتفاعلُ معَ علمِ الإجتماعِ إذَا اقتصرَ درسُهُ علَى حفظِ التّعريفَات؟ وأيَّ مَعنى سيجدُ فِي التّاريخِ إذَا تحوّلَ إلَى أحداثٍ وتواريخَ يحفظُها لاجتيازِ الاإمتحانِ ثمَّ ينسَاها؟ وكيفَ ستترسّخُ لديهِ قيمُ المُواطنةِ والمسؤوليّةِ واحترامِ الآخرِ إذَا بقِيت مادّةُ التّربيةِ مجرّدَ معلوماتٍ نظريّة، بعيدةً عنِ المُمارسةِ اليوميّة؟
تؤثّرُ طريقةُ التّدريسِ فِي نظرةِ الطّالبِ إلَى المَادّة، وقَد تُسهمُ فِي تشكيلِ اختياراتِهِ الدّراسيّة. لذلِك، لا يمكنُ مناقشةُ تراجعِ الإقبالِ علَى فرعِ الآدابِ والإنسانيّاتِ بمعزلٍ عنِ التّجربةِ التّعليميّةِ الّتِي يمرُّ بِها الطّالبُ فِي السّنواتِ السّابِقة، وعنِ الصّورةِ الّتِي تتكوّنُ لديهِ حولَ قيمةِ هذهِ الموادِّ وآفاقِها الجامعيّةِ والمِهنيّة.
وفِي المُقابل، ينبغِي عدمُ اختزالِ أسبابِ هَذا التّراجعِ فِي عددِ الحصصِ أو طرائقِ التّدريسِ وحدَها. فهناكَ عواملُ اقتصاديّةٌ واجتماعيّةٌ ومهنيّةٌ تؤثّرُ فِي قراراتِ الطُّلّاب، وتحتاجُ إلَى دراسةٍ مستقلّةٍ لفهمِ حجمِ تأثيرِ كلٍّ مِنها.
كذلِك، تختلفُ المدارسُ الخاصّةُ فِي سياساتِها وخططِها التّعليميّة، وتواجهُ المدارسُ الرسميّةُ بدورِها تحدّياتٍ تربويّةً وتعلِيميّة. لذلِك، فإنَّ الحكمَ علَى واقعِ الموادِّ الإنسانيّةِ فِي التّعليمِ اللّبنانيّ يحتاجُ إلَى مقارنةِ الخططِ الدّراسيّة، وجداولِ الحِصص، وطرائقِ التَّدريس، وآراءِ الطّلّابِ والمُعلّمين، بدلاً مِن تعميمِ المسؤوليّةِ علَى جميعِ المَدارس.
أيُّ تعليمٍ نُريد؟
إنَّ إعطاءَ الموادِّ الإنسانيّةِ حقَّها فِي المدرسةِ لا ينتقصُ مِن أهمّيّةِ الرّياضيّاتِ والعلومِ واللُّغات، فلكلِّ مجالٍ دورُهُ فِي تكوينِ الطّالبِ وإعدادِهِ للحَياة. وتبدأُ المعالجةُ بمراجعةِ الخططِ الدّراسيّةِ وتوزيعِ الحصصِ وطرائقِ التَّدريس، بِما يضمنُ للطّالبِ معرفةً علميّةً مَتينة، وفهماً لتاريخِ مجتمعِهِ وقضاياِه، وقدرةً علَى التّفكيرِ النّقديّ والتّواصلِ وتحمّلِ المَسؤوليّة. وهَذا يَستدعي فتحَ نقاشٍ تربويٍّ جدّيٍّ حولَ توزيعِ الحصصِ الدِّراسيّة، والأسسِ الّتِي تستندُ إليهَا المدارسُ عندَ دمجِ الموادِّ أو تقليصِ ساعاتِ تدريسِها، ومَدى انسجامِ هذهِ القراراتِ معَ الأهدافِ الّتِي يُفترضُ أن يحقّقَها التَّعليم.
ومنَ الضّروريّ الإستماعُ إلَى المعلّمينَ والطلّابِ والإداراتِ المَدرسيّة، ومراجعةُ جداولِ الحصصِ والخططِ التّعليميّةِ المُعتمدة، للتّعرّفِ إلَى واقعِ تدريسِ الموادِّ المختلفةِ ومَدى التّوازنِ بينَها. ولا تتعلّقُ المسألةُ بمكانةِ فرعِ الآدابِ والإنسانيّاتِ فِي المرحلةِ الثّانويّةِ وحدَها، وإنّمَا بصورةِ التّعليمِ الّذِي نقدّمُه للأجيالِ الجَديدة. فالمدرسةُ مكانٌ لاكتسابِ المعرفةِ والاستعدادِ للإمتِحانات، وهيَ أيضاً المكانُ الّذِي يتعلّمُ فيهِ الطّالبُ كيفَ يفهمُ نفسَهُ والآخَرين، وكيفَ يقرأُ مجتمعَه، وكيفَ يكوّنُ موقفاً منَ القَضايا الّتِي تواجهُه. ولا يمكنُ النّهوضُ بالموادِّ الأدبيّةِ والإنسانيّةِ مِن دونِ تغييرِ النّظرةِ إليهَا داخلَ المَدرسة، بدءاً منَ الحصصِ المُخصّصةِ لَها، وصولاً إلَى الأساليبِ المعتمدةِ فِي تدريسِها. لذلِك، يحتاجُ الطّالبُ إلّى وقتٍ كافٍ لفهمِ الأفكارِ ومناقشتِها، وإلَى معلّمٍ يتيحُ لهُ السؤالَ والتّحليلَ والشّكَّ وتكوينَ رأيِه، بدلاً منَ الاكتفاءِ بتلقينِه المعلوماتِ المطلوبةِ للامِتحان. فكيفَ نطلبُ منَ الطّالبِ أن يحبَّ الفَلسفة، وأن يفهمَ المُجتمع، وأن يتحمّلَ مسؤوليّةَ المواطَنة، وأن يفهمَ تاريخَهُ إذَا لَم نمنَحهُ فِي مدرستِهِ الوقتَ الكافيَ لاكتشافِ قيمةِ هذهِ المَعارف؟
