القدرةُ الشّرائيّةُ فِي لُبنان: بينَ الأزماتِ الاقتصاديّةِ وآفاقِ الذكاءِ الاصطناعيّ..

القدرةُ الشّرائيّةُ فِي لُبنان: بينَ الأزماتِ الاقتصاديّةِ وآفاقِ الذكاءِ الاصطناعيّ..

  • بقلم : الدكتورة ميّادة حيدر أحمد
    ” باحثة في التّمويل ومحاضِرة في الجامعة الإسلاميّة في لبنان “
  • تدقيق : فاطمة محمّد صالح الموسويّ

لم تَعُدِ القدرةُ الشّرائيّةُ فِي لُبنان مسألةً مرتبطةً بارتفاعِ الأسعارِ وحدَه، بَل أصبحَتْ انعكاساً مباشراً لقدرةِ الأُسرِ علَى تأمينِ احتياجاتِهَا الأساسيّةِ والحفاظِ علَى مُستوى معيشيٍّ مقبولٍ فِي ظلِّ أزماتٍ اقتصاديّةٍ وماليّةٍ مُتلاحقة. فحينَ يستهلكُ الغذاءُ والتّعليمُ والاستشفاءُ والسّكنُ حصّةً متزايدةً مٍن دخلِ الأسرَة، تتراجعُ قدرتُها علَى الادّخارِ والتّخطيطِ للمُستقبل، حتّى عندمَا يبدُو دخلُها الإسميُّ مُستقرّا.

وتزدادُ هذهِ المشكلةُ تعقيداً فِي اقتصادٍ شهدَ انهياراً نقديّاً وأزمةً مصرفيّةً مُمتدّة، ثمَّ واجهَ انتكاساتٍ جديدةً أعاقَتْ مسارَ التَّعافي. لذلِك، فإنَّ فهمَ القدرةِ الشّرائيّةِ يتطلّبُ النّظرَ إلَى مجموعةٍ مُترابطةٍ منَ العَوامل، تشملُ الأجورَ الحَقيقيّة، ومُستوى الأسعَار، والاستقرارَ النَّقديّ، وفرصَ العَمل، وإمكانَ الوصولِ إلى المدّخراتِ والائتِمان. وفِي هَذا السِّياق، يبرزُ سؤالٌ مهمٌّ: هَل يمكنُ للتّكنولوجيَا الحَديثة، ولا سيّمَا الذّكاءُ الاصطِناعيّ، أن تُسهمَ فِي تحسينِ إدارةِ المخاطرِ الاقتصاديّةِ والحدِّ مِن آثارِها علَى المُواطنين؟

القدرةُ الشّرائيّةُ مرآةٌ للاستقرارِ الاقتِصاديّ

مِن منظورِ التَّمويل، لا تُقاسُ قيمةُ الدّخلِ بِما يحصلُ عليهِ الفردُ اسميّاً فحَسب، بَل بِما يستطيعُ شراءَهُ مِن سلعٍ وخَدمات. فارتفاعُ الرّاتبِ لا يَعني بالضرورةِ تحسُّنَ المُستوى المَعيشيّ؛ إذ إنَّ زيادةَ الأسعارِ بالمقدارِ نفسِه، أو بوتيرةٍ أسَرع، قَد تُبقي القدرةَ الشّرائيّةَ علَى حالِها أو تُؤدّي إلَى تراجعِها.

وتتّضحُ هذهِ العلاقةُ فِي الحالةِ اللُّبنانيّة، حيثُ أدّى تراجعُ قيمةِ اللِّيرة، وارتفاعُ تكاليفِ المَعيشة، وضعفُ القطاعِ المَصرفيّ، إلَى إضعافِ قدرةِ شرائحَ واسعةٍ منَ المجتمعِ علَى حمايةِ مدّخراتِها والتّخطيطِ لنفقاتِها. كمَا أنَّ الاعتمادَ المُتزايدَ علَى التّعاملاتِ النّقديّةِ والدّولارِ فِي أجزاءٍ واسعةٍ منَ الإقتصادِ جعلَ أثرَ الأزمةِ متفاوتاً بينَ الأُسَر، بحسبِ طبيعةِ دخلِها وقدرتِها علَى الوصولِ إلَى العملاتِ الأجنبيّةِ والتّحويلاتِ المَاليّة.

وتبرزُ الفجوةُ بصورةٍ خاصّةٍ بينَ الأُسَرِ الّتِي تتَقاضى دخلاً بالدّولارِ وتلكَ الّتِي تعتمدُ علَى دخلٍ باللّيرةِ أو علَى مواردَ غيرِ مُنتظِمة. فحتَّى معَ استقرارِ سعرِ الصّرفِ نِسبيّا، لا تتسَاوى قدرةُ هذهِ الأُسرِ علَى مواجهةِ ارتفاعِ تكاليفِ الغذاءِ والتّعليمِ والاستِشفاء، كمَا لا تتسَاوى قدرتُها علَى تكوينِ مدّخراتٍ أو التّعاملِ معَ النّفقاتِ الطّارئة.

وتدعمُ البياناتُ هذهِ الصُّورة. فقَد أظهرَ تقريرُ البنكِ الدّوليِّ Lebanon Poverty and Equity Assessment 2024: Weathering a Protracted Crisis ارتفاعَ معدّلِ الفقرِ النّقديِّ مِن 12% عام 2012 إلَى 44% عام 2022 فِي المناطقِ الّتِي شملَتها الدِّراسة. كمَا أشارَ التّقريرُ إلَى أنَّ نحو 33% منَ اللّبنانيّينَ فِي المناطقِ المشمولةِ كانُوا يعيشونَ تحتَ خطِّ الفقرِ فِي عامِ 2022. وينبغِي قراءةُ هذهِ الأرقامِ ضمنَ نطاقِ الدّراسةِ الجُغرافيّ، إذ لَم تشملْ جميعَ المحافظاتِ اللُّبنانيّة.

وتكشفُ هذهِ المؤشّراتُ أنَّ الأزمةَ لَم تقتَصرْ علَى انخفاضِ الدّخلِ أو ارتفاعِ الأسعَار، بَل امتدَّتْ إلَى قدرةِ الأُسرِ علَى تلبيةِ احتِياجاتِها الأساسِيّة، مَا اضطرَّ بعضَها إلَى تقليصِ الإنفاقِ علَى الغذاءِ والصّحّةِ والتَّعليم. وهُنا تصبحُ القدرةُ الشّرائيّةُ قضيّةً اجتماعيّةً وتنمَويّة، لا مجرّدَ مؤشّرٍ اقتِصاديّ.

وفِي تطوّرٍ أحَدث، أشارَ البنكُ الدُّوليّ، فِي تقريرِه الصّادرِ فِي 21 آبَ 2026 بعنوانِ Renewed Conflict Derails Lebanon’s Fragile Economic Recovery، إلَى توقّعِ انكماشِ الاقتصادِ اللّبنانيِّ بنسبةِ 6.4% خلالَ عامِ 2026، بعدَ نموٍّ حقيقيٍّ قُدِّرَ بنحوِ 4.2% عامَ 2025. كمَا توقّعَ ارتفاعَ التّضخّمِ إلَى 17.5% خلالَ عامِ 2026، فِي ظلِّ اضطراباتِ الإمدادِ وارتفاعِ تكاليفِ الشّحنِ والطّاقةِ وتأثّرِ النّشاطِ السّياحيِّ والطّلبِ المَحليّ.

وتعنِي هذهِ التّوقّعاتُ أنَّ التّحسّنَ الاقتصاديَّ المسجّلَ فِي عامِ 2025 لَم يكُن كافياً لتأمينِ تعافٍ مُستدام، وأنَّ تجدّدَ الصّراعِ أعادَ فرضَ ضغوطٍ كبيرةٍ علَى النّشاطِ الاقتصاديِّ ومعيشةِ السُّكّان. كَما أنَّ استمرارَ ضعفِ القطاعِ المصرفيِّ وتعثّرَ الإصلاحاتِ الماليّةِ يزيدانِ صُعوبةَ استعادةِ الثّقةِ وتحويلِ أيِّ تحسّنٍ اقتصاديٍّ إلَى مكاسبَ ملموسةٍ للأُسَر.

مِن هُنا، لا يكفِي الإستنادُ إلَى استقرارِ سعرِ الصّرفِ للحُكمِ علَى تحسّنِ الأوضاعِ المَعيشيّة. فالتّقييمُ الفعليُّ للتَّعافي ينبغِي أن يشمُلَ تطوّرَ الأجورِ الحَقيقيّة، وتكلفةَ سلّةِ الاستهلاكِ الأسَاسيّة، وفرصَ العَمل، والقدرةَ علَى الإدّخَار، وإمكانَ الوصولِ إلَى الخدماتِ المَاليّة. فاستقرارُ الأسعارِ نسبيّاً لا يضمنُ وحدَهُ تحسّنَ القدرةِ الشّرائيّةِ إذَا بقيَ الدّخلُ مُنخفضاً أو ظلّتِ الأُسرُ عاجزةً عَن تلبيةِ احتياجاتِها.

الذّكاءُ الاصطناعيّ: من تحليلِ البياناتِ إلَى دعمِ الاستقرارِ المَاليّ

يتيحُ الذّكاءُ الاصطناعيُّ فرصاً جديدةً لتطويرِ أدواتِ التّحليلِ الاقتصاديِّ والمَاليّ، خصوصاً فٍي البيئاتِ الّتِي تتّسِمُ بتقلُّباتٍ سريعةٍ ونقصٍ فِي المعلوماتِ الدَّقيقة. ويمكنُ لهذهِ التِّقنياتِ معالجةُ كميّاتٍ كبيرةٍ منَ البياناتِ المُتعلّقةِ بالأسعارِ والاستهلاكِ والتَّدفّقاتِ النَّقديّة، واكتشافُ أنماطٍ قَد يصعبُ رصدُهَا بالوسائلِ التَّقليديّة، بمَا يساعدُ المُؤسّساتِ علَى تقييمِ المخاطرِ والاستعدادِ لسيناريوهاتٍ مُحتملة.

وفِي لُبنان، يمكنُ توظيفُ هذهِ الإمكاناتِ فِي أكثرَ مِن مَجال. فعلَى مُستوى السّياساتِ الاقتِصاديّة، تستطيعُ النّماذجُ التنبّؤيّة، عندَ توافرِ بياناتٍ مُناسبة، المساهمةَ فِي رصدِ التّغيّراتِ المُتسارعةِ فِي أسعارِ السّلعِ الأسَاسيّة، وتقديرَ أثرِها المحتملِ علَى الأُسرِ ذاتِ الدّخلِ المَحدود. وقَد تساعدُ هذهِ التّحليلاتُ الجهاتِ المعنيّةَ علَى تحديدِ الفئاتِ الأكثرِ عرضةً للضّررِ وتوجيهِ برامجِ المساعدةِ الاجتماعيّةِ بصورةٍ أكثرَ دِقّة.

أمَّا علَى مُستوى المؤسّساتِ الصّغيرةِ والمُتوسّطة، فيمكنُ استخدامُ أدواتِ التّحليلِ الذّكيِّ لتحسينِ تقديرِ التّدفّقاتِ النَّقديّة، ومراقبةِ تكاليفِ التَّشغيل، وتوقّعِ الاحتياجاتِ التَّمويليّة. وتكتسبُ هذهِ الوظائفُ أهميّةً خاصّةً فِي اقتصادٍ تتأثّرُ فيهِ المؤسّساتُ بتقلّبِ الطّلبِ وتكاليفِ الاستيرادِ واضطراباتِ سلاسلِ الإمدَاد. فكلَّما تمكّنتِ المؤسّسةُ مِن اكتشافِ الضّغوطِ الماليّةِ فِي وقتٍ مُبكر، ازدادَت قدرتُها علَى اتّخاذِ إجراءاتٍ تحدُّ منَ الخسائرِ وتحافظُ علَى استمراريّةِ النّشاطِ وفرصِ العَمل.

كذلِك، يمكنُ للأدواتِ الرقميّةِ المدعومةِ بالذّكاءِ الاصطناعيِّ أن تساعدَ الأُسَرَ علَى تصنيفِ نفقاتِها، ومقارنةِ المصروفاتِ بالدَّخل، وتحديدِ الإلتِزاماتِ المُتكرّرة، وإعدادِ موازناتٍ أكثرَ واقِعيّة. إلّا أنَّ أثرَ هذهِ الأدواتِ يظلُّ مُرتبطاً بمَدى سهولةِ استخدامِها، وتكلفتِها، وقدرةِ المواطنينَ علَى الوصولِ إلَى الخدماتِ الرّقميّةِ وفهمِ نتائجِها.

ومعَ ذلِك، لا ينبغِي الخلطُ بينَ تحسينِ التّنبّؤِ بالمخاطرِ والقدرةِ علَى منعِ وقوعِها. فالنّموذجُ الّذِي يرصدُ احتمالَ ارتفاعِ الأسعارِ لا يستطيعُ وحدَهُ زيادةَ الإنتاجِ المحليِّ أو تأمينَ فرصِ العملِ أو إصلاحَ القطاعِ المَصرِفيّ. كما أنَّ دقّةَ التوقّعاتِ تعتمدُ علَى جودةِ البياناتِ وحداثتِها، وعلَى قدرةِ النّماذجِ علَى التّعاملِ معَ الصّدماتِ الاستثنائيّةِ الّتِي قَد تغيّرُ المساراتِ الاقتصاديّةَ المُعتادة.

وتبرزُ هُنا أهميّةُ الحوكمةِ الرّقميّة، وحمايةِ البياناتِ الشَّخصيّة، والشّفافيّةِ فِي استخدامِ الخوارزمِيّات، ووجودِ رقابةٍ بشريّةٍ علَى القراراتِ الحَسّاسة. فالتّوسّعُ فِي استخدامِ الذّكاءِ الاصطناعيِّ مِن دونِ ضوابطَ قَد يؤدِّي إلَى قراراتٍ خاطئةٍ أو إلَى استبعادِ فئاتٍ تفتقرُ إلَى البياناتِ الرّقميّةِ الكافيَة.

وعلَيه، فإنَّ القيمةَ الاقتصاديّةَ لهذهِ التّكنولوجِيا لا تتحدّدُ بحداثتِها، بَل بقدرتِها علَى تحسينِ جودةِ القَرار، وتخفيضِ كلفةِ بعضِ العَمليّات، ودعمِ المؤسّساتِ والأُسرِ فِي مواجهةِ المخاطرِ ضمنَ إطارٍ مؤسّسيٍّ موثُوق.

مِن التّشخيصِ إلَى الحلولِ: نحوَ حمايةٍ مستدامةٍ للقدرةِ الشّرائيّة

تتطلّبُ حمايةُ القدرةِ الشّرائيّةِ فِي لبنانَ مقاربةً تجمعُ بينَ الإصلاحاتِ الاقتصاديّةِ والسّياساتِ الاجتماعيّةِ وتطويرِ الأدواتِ الرّقميّة. ولا يمكنُ لأيِّ مسارٍ منفردٍ أن يحقّقَ نتائجَ مستدامةً إذَا بقيتِ العواملُ الأخرَى علَى حالِها. ويمكنُ تحديدُ أربعةِ مجالاتٍ مترابطةٍ للعَمل.

أوّلاً : استعادةُ الثّقةِ بالنّظامِ المَاليّ. يتطلّبُ ذلكَ المضيَّ فِي إصلاحِ القطاعِ المصرِفيّ، ومعالجةَ الاختِلالاتِ المَاليّة، وتعزيزَ الشّفافيّةِ والمُساءلة، ووضعَ حلولٍ قابلةٍ للتّنفيذِ لمشكلاتِ الودائعِ والدَّينِ العَامّ. فالثّقةُ ليسَت عنصراً معنويّاً فحَسب، بَل تؤثِّرُ فِي قراراتِ الإدّخارِ والاستثمارِ والتَّمويل، وفِي استعدادِ الأفرادِ والمؤسّساتِ لإعادةِ توجيهِ مواردِهم نحوَ النّشاطِ الاقتصاديِّ المُنتج.

ثانياً: حمايةُ الدخلِ الحقيقيِّ للفئاتِ الأكثرِ هَشاشة. ينبغِي أن تستندَ السّياساتُ الاجتماعيّةُ إلَى بياناتٍ مُحدّثةٍ عَن تكاليفِ المعيشةِ ومستوياتِ الدَّخل، وأن توجِّه المساعداتُ إلى الأُسرِ الأكثرِ حاجَة. ويمكنُ للتّحليلِ الإحصائيِّ والنّماذجِ التّنبّؤيّةِ أن يُسهِما فِي تحسينِ استهدافِ هذهِ البرامجِ وتقييمِ أثرِها. غيرَ أنَّ نجاحَها يتطلّبُ معاييرَ واضحةً للتّأهُّل، وآليّاتٍ شفّافةً للتَّنفيذ، ومراجعةً دوريّةً للنَّتائج.

ومن المهمِّ أيضًا التمييزُ بينَ الزّيادةِ الإسميّةِ فِي الأجورِ والتّحسّنِ الحقيقيِّ فِي مُستوى المَعيشة. فرفعُ الرَّواتب، مِن دونِ مراعاةِ الإنتاجيّةِ والقدرةِ التّمويليّةِ ومُستوى الأسعَار، قَد لا يحقّقُ الأثرَ المطلوبَ إذَا تآكلَتِ الزّيادةُ بفعلِ التّضخُّم. لذلِك، ينبغِي أن تتكاملَ سياساتُ الأجورِ معَ إجراءاتٍ تدعمُ الإنتاجَ وتحدُّ منَ الضّغوطِ علَى تكاليفِ المَعيشة.

ثالثاً: تعزيزُ الإنتاجِ المحليِّ وفرصِ العَمل. لا يمكنُ بناءُ قدرةٍ شرائيّةٍ مُستدامةٍ علَى الاستهلاكِ وحدَهُ أو علَى تدفُّقاتٍ ماليّةٍ غيرِ مُستقرّة. فزيادةُ الإنتاجِيّة، وتحفيزُ الاستثمارِ المنتِج، ودعمُ المؤسّساتِ الصّغيرةِ والمُتوسّطةِ، وتطويرُ المَهارات، عواملُ أساسيّةٌ لتوسيعِ فرصِ العملِ وتحسينِ الدُّخول. ويمكنُ للتّكنولوجِيا أن تساعدَ هذهِ المؤسّساتِ علَى تحسينِ التّخطيطِ والإدَارة، لكنَّها تحتاجُ أيضاً إلَى بيئةِ أعمالٍ أكثرَ استقراراً وإمكاناتِ تمويلٍ مناسِبة.

رابعاً: تطويرُ الثقافةِ الماليّةِ والرَّقميّة. يحتاجُ المواطنُ إلَى أدواتٍ عمليّةٍ تساعدُهُ علَى فهمِ أثرِ التّضخّمِ فِي دخلِه، وإدارةِ التِزاماتِه، وتقييمِ خياراتِ الإدّخارِ والإقتِراض. ويمكنُ للمنصّاتِ الرّقميّةِ أن تؤدّيَ دوراً فِي هَذا المجالِ مِن خلالِ توفيرِ معلوماتٍ مبسّطةٍ وأدواتٍ لإعدادِ الموازناتِ ومتابعةِ الإنفَاق. لكنَّ التّثقيفَ الماليَّ لا يعفِي المؤسّساتِ مِن مسؤوليّتِها، ولا ينبغِي أن يتحوّلَ إلَى تحميلِ الأُسرِ وحدَها عبءَ التّعاملِ معَ أزمةٍ تتجاوزُ قدرتَها الفرديّةَ علَى المُعالجة.

وتتّضحُ أهميّةُ الرّبطِ بينَ هذهِ المساراتِ عندَ تقييمِ أيِّ سياسةٍ اقتصِاديّة. فإذَا ارتفعَتِ الأجورُ مِن دونِ تحسّنِ الإنتاجيّةِ أو استقرارِ الأسعَار، فقَد تكونُ المكاسبُ مَحدودة. وإذَا تطوّرَتِ الأدواتُ الرّقميّةُ مِن دونِ إصلاحِ المُؤسَّسات، فستَبقى قدرتُها علَى معالجةِ جذورِ الأزمةِ ضَعيفة. أمَّا الجمعُ بينَ الإصلاحِ المَاليّ، والحمايةِ الاجتِماعيّة، والإنتاجيَّة، والتّكنولوجِيا المَسؤولة، فيوفّرُ أساساً أكثرَ تماسكاً للتَّعافي.

نحوَ استخدامٍ أكثرَ فاعليّةً للذّكاءِ الاصطناعيِّ فِي لُبنان

مِن وجهةِ نظرِي كباحثةٍ فِي التَّمويل، فإنَّ أحدَ التّحدّياتِ الأساسيّةِ فِي لبنانَ يتمثّلُ فِي تحويلِ البياناتِ الاقتصاديّةِ المُتاحةِ إلَى قراراتٍ قابلةٍ للتَّنفيذ. ويمكنُ أن يشكِّلَ الذّكاءُ الاصطناعيُّ جزءاً مِن هذهِ العَمليّة، مِن خلالِ تطويرِ أدواتٍ لرصدِ التّغيّراتِ فِي أسعارِ السِّلعِ الأساسيَّة، وتحليلِ اتّجاهاتِ الاستِهلاك، وتقديرِ مخاطرِ السُّيولة، ومتابعةِ قُدرةِ المؤسّساتِ الصّغيرةِ علَى الوفاءِ بالتزاماتِها.

لكنَّ تطبيقَ هذهِ الأدواتِ يتطلّبُ أوّلاً بناءَ قاعدةِ بياناتٍ موثوقةٍ ومُحدَّثة، وتحديدَ المؤشّراتِ الّتِي يُرادُ قياسُها، واختبارَ النّماذجِ علَى بياناتٍ مُناسبة، ثمَّ تقييمَ دقّتِها بصورةٍ مُستمرّة. كمَا ينبغِي ألَّا تُعاملَ نتائجُ التّنبّؤِ بوصفِها حقائقَ مؤكَّدة، بَل تقديراتٍ تساعدُ صَانعي القرارِ علَى مقارنةِ السِّيناريوهاتِ وفهمِ حدودِ المَخاطر.

ويمكنُ البدءُ بمشروعاتٍ تجريبيّةٍ مَحدودة، مثلَ تطويرِ لوحةِ مؤشّراتٍ لمُتابعةِ أسعارِ مجموعةٍ منَ السِّلعِ الأساسيّةِ ومقارنتِها بتطوّرِ الدُّخول، أو استخدامِ نماذجَ تحليليّةٍ لتقديرِ الضُّغوطِ النقديّةِ التي تواجهُ المؤسّساتِ الصَّغيرة. وبعدَ تقييمِ النَّتائج، يمكنُ توسيعُ نطاقِ الاستخدامِ وفقَ معاييرَ واضحةٍ للفاعليّةِ والدّقّةِ وحمايةِ البَيانات.

إنَّ مثلَ هذهِ المُبادراتِ لَن تعالجَ الأزمةَ الاقتِصاديّةَ بمفردِها، لكنَّها قَد تحسّنُ توقيتَ القراراتِ وجودتَها، وتساعدُ علَى توجيهِ المواردِ المتاحةِ بصورةٍ أكثرَ كفاءَة. وفِي اقتصادٍ محدودِ المَوارد، تصبحُ القدرةُ علَى استخدامِ المعلوماتِ بصورةٍ سليمةٍ عنصراً مهمّاً فِي تقليلِ الهدرِ وتحسينِ الإستجابةِ للصَّدمات.

التّكنولوجِيا وسِيلة، والاستقرارُ هُو الهَدف

إنَّ مستقبلَ القدرةِ الشّرائيّةِ فِي لبنانَ لا يتوقّفُ علَى مسارِ سِعرِ الصّرفِ أو معدّلاتِ التّضخّمِ وحدَها، بَل يتحدّدُ أيضاً بقدرةِ الاقتِصادِ علَى خلقِ فرصِ عملٍ مُنتِجة، وتحسينِ الدّخولِ الحَقيقيّة، واستعادةِ الثّقةِ بالمؤسَّسات، وتوفيرِ الخدماتِ الأساسيّةِ بكلفةٍ يمكنُ للأُسرِ تحمّلُها.

ويستطيعُ الذّكاءُ الاصطناعيُّ أن يضيفَ قيمةً إلَى هذهِ الجهودِ عبرَ تحسينِ تحليلِ المَخاطرِ، ودعمِ التّخطيطِ المَاليّ، وتطويرِ أدواتٍ أكثرَ دقّةً لتوجيهِ السّياسات. غيرَ أنَّ نجاحَهُ يظلُّ مشروطاً بوجودِ مؤسّساتٍ قادرةٍ علَى تحويلِ المعلوماتِ إلَى قَرارات، وسياساتٍ تعالجُ الإختلالاتِ الهيكليّةَ بدلَ الاكتفاءِ بإدارةِ نتائجِها.

فالتَّعافي الاقتصاديُّ لا يُقاسُ فقَط بمعدّلاتِ النّموِّ أو استقرارِ المؤشّراتِ النَّقديّة، بَل بمَدى انعكاسِ التّحسّنِ علَى الحياةِ اليوميّةِ للمُواطن. وحينَ يتمكّنُ الفردُ مِن تأمينِ احتياجاتِ أسرتِه، والحفاظِ على قيمةِ دخلِه، وتكوينِ مدّخراتٍ لمواجهةِ الطَّوارئ، والتّخطيطِ لمستقبلِهِ بدرجةٍ معقولةٍ منَ الثّقة، يصبحُ للإستقرارِ الاقتصاديِّ معنى يتجاوزُ الأرقَام.

لذلِك، فإنَّ السّؤالَ الِّذي ينبغِي أن يوجّهَ النّقاشَ حولَ الذّكاءِ الاصطناعيِّ فِي لبنانَ ليسَ فقَط كيفَ يمكنُ تطويرُ أدواتٍ أكثرَ تقدُّما، بَل كيفَ يمكنُ توظيفُها ضمنَ إصلاحٍ اقتصاديٍّ ومؤسّسيٍّ يجعلُ نتائجَ التّكنولوجِيا قابلةً للقِياس، ويضمنُ أنْ تنعكسَ فوائدُها علَى المُجتمعِ، ولا سيَّما الفئاتِ الأكثرِ تعرّضاً للأزَمات.