قِراءةٌ فِي الانتِخاباتِ الإسرائيليَّةِ المُرتَقبة، هَل تملكُ تل أبيب خِيارَ الخُروجِ مِن الإستِنزاف؟

قِراءةٌ فِي الانتِخاباتِ الإسرائيليَّةِ المُرتَقبة، هَل تملكُ تل أبيب خِيارَ الخُروجِ مِن الإستِنزاف؟

بقلم: علي رضوان سعيّد
تدقيق: هادي محمود نصّار

​تتَجاوزُ الانتِخاباتُ الإسرائيليَّةُ المُقبلةِ إطارَ التَّنافسِ التّقليديِّ مُتحوِّلةً إلى مُراجعةِ استراتيجيَّةٍ شامِلةٍ لمَسارِ الكَيانِ فِي ظلِّ الاشتباكِ العَسكريِّ والسِّياسيِّ المَفتوحِ منذُ السّابعِ مِن أكتوبر ٢٠٢٣. يَنطلقُ المشهدُ السّياسيُّ هناكَ مِن نظامِ التَّمثيلِ النِّسبيِّ فِي الكَنيست، حيثُ يستلزمُ الوُصولُ إلى مَقاعدِ الحُكمِ تأمينَ أغلبيّةِ الواحِدِ والسِّتينَ مَقعَدا. وتقتَضي القِراءةُ المَوضوعيَّة لطبيعةِ المَرحلةِ قراءةٍ متأنيّةٍ للسِّيناريوهَاتِ المَطروحَة، ومَدى قُدرةِ الحُكومةِ المُقبلةِ علَى إعادةِ رسمِ الخَارطةِ السِّياسيّةِ أو التَّعايُشِ مَع التَّوازناتِ الرّاهنَة، فهَل تملكُ تل أبيب خيارَ الخُروجِ مِن الإستِنزاف؟

​يتصدّرُ السّيناريُو الأوّلُ والأكثرُ تَرجيحاً خيارَ الانسدادِ السِّياسيِّ والعجزِ عَن الحَسم الانتِخابيّ. حيثُ تفشلُ كافّةُ التَّكتُّلاتِ المُتنافسةُ فِي الوُصولِ إلى عتبةِ الواحدِ والسِّتينَ مَقعداً اللّازمةِ لتشكيلِ حكُومة. يقودُ هَذا الاستِعصاءُ حُكماً إلى بقاءِ الحُكومةِ الحاليَّة برئاسةِ بنيامين نتنياهو بصِفتِها “حكومةُ تصريفِ أعمالٍ” مؤقّتَة، والدّخولُ فِي حالةِ مُراوحةٍ تقودُ إلى انتخاباتٍ جديدةٍ بعدَ أسابيعٍ أو أشهُر معدودَة. يحملُ هَذا الوضعُ تَداعياتٍ ميدانيّةٍ بالغةِ الأهميَّة، إذْ يمنحُ نتنياهو غطاءً لاستِمرارِ إدارةِ المُواجهةِ بالنّارِ دونَ الحاجةِ إلَى تقديمِ “أوراقِ اعتِماد”، مُفضّلاً ترحيلَ القراراتِ المَصيريّةِ والاستِحقاقاتِ الكُبرَى إلى حينِ اتّضاحِ خَريطةِ مَوازينِ القُوى، ممّا يُبقِي السّاحاتِ المُشتعلةً مِن غزّة إلى لُبنان وصولاً إلى إيران تحتَ طائلةِ ضرباتٍ استِنزافيّةٍ مُستمرّة يُمليها مَنطقُ إدارةِ الأزماتِ فِي المَرحلةِ الإنتِقاليَّة.

​يُنصّبُ السّيناريُو الثَّاني علَى تمكُّن بنيامين نتنياهو وحلفائهِ فِي أحزابِ اليمينِ المُتطرّفِ مِن خرقِ حالةِ التّعادلِ وحمايةِ تَكتّلهِم. يَحملُ هَذا الفوزُ فِي طيّاتهِ دلالةً سياسيّةً واضِحةً تتَمثّلُ فِي الحُصولِ علَى تفويضٍ شعبيٍّ جديدٍ يمنحُ الائتلافَ زخماً أسرعَ وشرعيّةً أكبرَ للمُضيِّ فِي نهجِ الإبادةِ والحربِ المَفتوحةِ علَى كافّةِ الجَبهاتِ دونَ التّقيُّدِ بأفقٍ لتسويةٍ سياسيَّة. تُترجمُ هذهِ القِراءةُ ميدانياً فِي الضّفّةِ الغربيَّةِ عبرَ تسريعِ خُطواتِ توسيعِ الاستيطانِ وإحكامِ السّيطرةِ الفِعليّةِ لقطعِ الطَّريقِ علَى أيِّ خيارٍ لقيامِ دولةٍ فِلسطينيّة. وفِي قطاعِ غزّة، يَستمرُّ الاعتِمادُ علَى الحسمِ المَيدانيِّ مَع رفضِ الانسحابِ الشَّاملِ وإبقاءِ المَشهدِ تحتَ الضّغطِ العَسكريّ. أمّا علَى الجَبهةِ اللُّبنانيَّة، فيَتضمّنُ هَذا الخِيارُ التّمسُّكَ بنقاطِ الإحتِلالِ فِي الجنوبِ ومُواصلةِ الضّرباتِ والتّفجيراتِ لتَثبيتِ واقعٍ أمنيٍّ جَديد. وتتّسعُ هذهِ الاستراتيجيّةُ لتشملَ السّاحتينِ السّوريَّة والإيرانيَّة عبرَ الحِفاظِ علَى وتيرةِ الضَّرباتِ الاستِباقيّة، وإبقاءِ سيناريُو استِهدافِ المُنشآتِ الحَيويّة داخلَ إيران حاضراً كأداةِ ضغطٍ دائمَة، انطلاقاً مِن عَقيدةٍ باتَت ترَى فِي التّصعيدِ المُستمرِّ أفُقاً لأحلامِها التّوسُّعيّة.

​فِي المُقابِل، يُمثّلُ السّيناريُو الثّالثُ المُتمثّلُ فِي نجاحِ مُعسكرِ المُعارضةِ بالإطاحةِ بنتنياهو وتشكيلِ حكومةٍ مِن قِوى الوسَط واليمينِ “المُعتدِل”، رسالةً شعبيّةً تؤدِّي إلى حجبِ المَشروعيّةِ السّياسيّةِ عَن استِمرارِ الحُروبِ المُمتدّةِ مِن دونِ أفقٍ سياسيٍّ واضِح. تدفعُ هذهِ النّتيجةُ الحُكومةَ البَديلةَ نحوَ التّفتيشِ عَن مخارجٍ عمليّةٍ تَهدفُ إلى استِثمارِ المُنجزاتِ والضّرباتِ العَسكريّةِ وتَحويلِها إلى اتّفاقيّاتٍ ومكاسِبٍ دبلوماسيّةٍ مَلموسةٍ تُنهي حالةَ الاستِنزاف. ورُغمَ هذهِ الرّغبةُ التّكتيكيَّة، تُؤكّدُ المُعطياتُ السّياسيَّةُ والأمنِيّةُ صعوبةَ الابتِعادُ التّامِّ عَن السّقفِ العالِي الّذي رسَمتهُ تحوُّلاتُ ما بعدَ السّابعِ مِن أكتوبِر وكرّستهُ المُؤسّسةُ الأمنيّة، حيثُ باتَ يميلُ الشّارعُ والمُؤسّسةُ العَسكريّةُ داخلَ الكيانِ نحوَ الحسمِ ويرفضُ التّعايشَ مَع “التّهديداتُ الحُدوديَّة”. مِن هُنا، تتّجهُ المُعارضةُ نحوَ تعزيزِ المُرونةِ الدّبلومَاسيّةِ وترميمِ التّحالفاتِ الدُّوليّة، عبرَ إعادةِ بناءِ جُسورِ التَّواصلِ مع العَواصمِ الغربيّة، والتّعاملِ ببراغماتيَّةٍ مع ملفّاتِ الحُدودِ عبرَ القُبولِ بوسطاءٍ دولييّنَ لتأمينِ استقرارٍ مؤقّتٍ فِي غزّة ولبنانَ دونَ المساسِ بالمُرتكزاتِ الأساسيّةِ للأمنِ القوميِّ الإسرائيليّ.

​يتشكّلُ السّيناريُو الرّابعُ والأخيرُ عبرَ خيارِ حكومةِ الوحدةِ الوَطنيّةِ الّتي تضمُّ أجنحةً مِن اللّيكودِ وقِوى الوسَط مَع استِبعادِ رموزِ اليمينِ المُتطرِّف. تعتمدُ هذهِ الحُكومةُ مبدأَ الحِساباتِ الباردةِ في إدارةِ المَلفّاتِ الإقليميَّة، مُحاولةُ التّوفيقِ بينَ متطلّباتِ الرّدعِ العَسكريّ وتَجنُّبِ حروبِ الاستِنزافِ الشّاملةِ الّتي تُرهقُ الاقتِصادَ وتزيدُ مِن الشّرخ الدّاخلّي، مَع إبداءِ ميلٍ أكبرَ لتفعيلِ المساراتِ الدّبلوماسيَّة لتأمينِ ترتيباتٍ أمنيَّةٍ بضماناتٍ دوليّةٍ وضبطِ الإيقاعِ المَيدانيّ. غيرَ أنّ هَذا السّيناريو يظلُّ أبعدَ ما يكونُ عَن الواقعِ والمُمارسةِ السّياسيّةِ الفِعليّة، إذ تبدُو فُرصةُ تَحقُّقهِ مُستبعدةً إلى حدٍّ كبيرٍ فِي ظلِّ حالةِ الشَّللِ والشَّرخِ العميقِ ورواسبِ الفيتوهاتِ المُتبادلَةِ بينَ المُكوناتِ الحِزبيّةِ داخلَ الكيانِ الإسرائيليِّ الّتي تجعلُ إمكانيّةَ جلوسِ اللّيكود والمُعارضَةِ فِي ائتلافٍ واحدٍ خياراً شبهَ مُستحِيل.

​تَخلصُ هذهِ القِراءةُ إلى أنَّ الاستِحقاقَ الانتِخابيّ الإسرائيليّ يمنحُ هامشاً ضيقاً للمُناورَة، فيمَا تؤكّدُ هذهِ المُعطياتُ أنَّ الانتِخاباتِ الإسرائيليَّةِ لَن تُحدثَ تحوّلاً استراتيجيّاً جَذريّا، فالخِلافُ فِي تل أبيب ينحصرُ بينَ نهجٍ يفضّلُ التَّصعيدَ المَفتوح وآخر، يسعَى لترجمةِ نتائجِ الحربِ إلى مكاسبَ دبلوماسيَّة، ليظلَّ الإقليمُ بأكملهِ مَحكوماً بالسَّقفِ الأمنيِّ العالي الّذي أفرَزتهُ تَحوّلاتِ مَا بعدَ السّابعِ مِن أكتوبِر.