“لُقاحٌ ضدَّ الكَراهيَّة: ملوكُ الخَيالِ فِي مهبِّ الأذَى.”

“لُقاحٌ ضدَّ الكَراهيَّة: ملوكُ الخَيالِ فِي مهبِّ الأذَى.”

  • بقلم:ريم محمّد عيد رمضان
  • ⁠تدقيق: هادي محمود نصّار

علَى رصيفِ الحُلم، وفِي ركنٍ خَفيٍّ مِن مَدرسةٍ تَعبقُ برائحةِ الطَّباشيرِ والانتِظار، ينامُ “عليّ” الصّغيرُ مُحتضِناً “دبدوبه” الّذي نَجا معهُ مِن غُبارِ الرّحِيل؛ فالدّبدوبُ ليسَ مُجرّدَ قطنٍ وفِراء، بَل هوَ الّذِي يحفظُ ضَحكاتِ غُرفتهِ البَعيدَة، وسرَّ سَريرهِ المُلوّن. لَم يعُد أطفالُ لُبنانَ اليومَ يُطاردونَ طائراتِ الورَق، بَل صارُوا يَرقبونَ بذكاءٍ مُدهشٍ تلكَ “الغيمةَ السّوداءَ” الَّتي تَبتلعُ الأفُق، ويُميّزونَ بأذنٍ مُوسيقيَّةٍ فِطريَّةٍ بينَ رعدِ السّماءِ الحَنونِ وصوتِ “الضَّربةِ” الغاضِبة. لقَد باتَت طُفولتهُم سباقاً أسطُوريّا، ليسَ لنيلِ مِيداليَّة، بَل للظّفرِ بحضنٍ دافئٍ يُرمّمُ مَا كُسرَ فِي قُلوبهِم الصَّغيرَة.كيفَ يُمكنُ لهَذا الحِضنِ الدّافئِ أنْ يَحميَ قَلباً باتَ يُفرّقُ بينَ نغماتِ المَوتِ قبلَ أنْ يَحفظَ ألحانَ الحَياة؟ وهَل ستنجُو براءةُ “عليّ” مِن عَدوَى الرّمادِ الَّتي تُحاولُ تَشويهَ مَلامحِ طُفولتِه؟

بِجانبِ كُلّ وِسادةٍ مُؤقَّتة، تَرقدُ “حَقيبةُ الأسرَار”؛ هِي مَملكةُ الطِّفلِ الَّتي قرَّرَ إنقاذهَا، تَحتَوي علَى قلمِ تَلوينٍ أخضَر، ليُعيدَ بِه الحياةَ لضَيعَتهِ الجَريحَة، ودَفترٍ يُخبّئُ فيهِ مَلامحَ “حَيّهِ” الَّذي غادَرهُ علَى عَجَل. لَم يَعدِ الصَّباحُ يُشرقُ بِصَوتِ فَيروز ورائِحةِ الزَّعترِ الَّتي تُعانقُ الشُّرفات، بَل بِنَظراتٍ تائِهةٍ فِي عُيونِ الأمَّهاتِ وهنَّ يُطارِدنَ الأخبارَ عَبرَ الشَّاشاتِ القَلِقة. وفِي مَمرّاتِ النُّزوحِ الَّتي لا تَنتَهي، يَغزلُ الصِّغارُ حِكاياتٍ لا تُشبهُ “بَياضَ الثَّلج”، بَل يَروونَ لبَعضِهم بُطولاتِ ألعابِهم الَّتي بَقيَت “تَحرسُ” بُيوتَهم المَهجورةً تَحتَ الرُّكام، بانتِظارِ عَودةِ أصحابِها الصِّغار.

ولأنَّهُم مُلوكُ الخَيال، فقَد صَنعَ هَؤلاءِ الأطفالُ مِن صَناديقِ الكَرتونِ البارِدةِ “مَركباتٍ فَضائيّةٍ” تَعبرُ بِهم فَوقَ حُدودِ الوَجع، وحَوّلُوا الأغطيَةَ البَسيطةَ إلَى “قِلاعٍ سِحريّةٍ” لا يَجرُؤ الخَوفُ علَى دُخولِها. يُغنّونَ بأصواتٍ مَلائكيَّة، تَرتَفعُ كُلَّما تَعاظمَ ضَجيجُ الطّائِرات، كأنَّهُم يُحاولونَ غَزلَ “سِتارةٍ مُوسيقيّةٍ” تَحجُبُ عَنهُم قَسوةَ الواقِع. علَى جُدران المَدارسِ الرَّماديَّة، يَرسُمونَ شَمساً بضَفائرَ ذَهبيّة، وبُيوتاً قِرميديّةً لا تَسكُنها إلَّا الضَّحِكات؛ إنَّهُم يُواجِهونَ المَوتَ بالبَراءَة، ويَطعَنونَ العَتمةَ بابتِسامةٍ مَخطوفَة، مُؤكِّدينَ أنَّ الحَياة، مَهمَا “غَبرَت”، تَظلُّ فِي عُيونِهم قَصيدَةً لَم تَكتَمِل فُصولُها بَعد.

خِتاما، يَظلُّ الطِّفلُ اللُّبنانيُّ هُو الأيقونةَ الأغلَى والرِّسالةَ الَّتي لا تُقهَر، فَهُو الَّذي يَحملُ علَى كتِفَيهِ الصَّغيرَينِ ثَباتَ جِبالِ “صنّين” دونَ أنَ يَنحَني. إنَّ تَرميمَ أرواحِ هَؤلاءِ الصِّغارِ هُو المَعرَكةُ الحَقيقيَّة، فبِناءُ القُصورِ مِن حِجارةٍ أسهَلُ بِكَثيرٍ مِن إعادةِ بِناءِ “الثِّقةِ بالدُّنيا” فِي قَلبِ طِفلٍ أرعبَهُ الدُّخان. وبَعدَ كُلِّ هذَا الانكِسار، يَنتَظرُ هَؤلاءِ “العَصافيرُ” مِن العالَمِ أن يَبتَكرَ “لُقاحاً ضِدَّ الكَراهيَّة”، يَطردُ عَدوَى الخَوفِ مِن أحلامِهم، ليَعودُوا يَوماً ويَهمِسوا للغُيومِ السَّوداء: “ارحَلي.. فَقَد حانَ وَقتُ قَوسِ قُزحٍ ليحكُمَ سَماءَنا مِن جَديد”. “ولكِن، حينَ تَصمتُ المَدافعُ ويَجفُّ الحِبر، هَل سَيملِكُ العالَمُ شَجاعةَ الأطفالِ ليَرسمَ شَمساً لا تُحرِق، أمْ سَنَكتَفي بمُشاهَدةِ صِغارِنا وهُم يَخترِعونَ “لُقاحَ الكَراهيّةِ” وَحدَهُم بفُتاتِ الألوانِ وبَقايا الضَّحِكات؟