مِن كفَررُّمان إلَى واشنطُن: الجَنوبُ بينَ الذَّاكرةِ والإستِحقاقاتِ السِّياسيَّة.

مِن كفَررُّمان إلَى واشنطُن: الجَنوبُ بينَ الذَّاكرةِ والإستِحقاقاتِ السِّياسيَّة.

بقلم: ريان ابراهيم نجم
تدقيق: هادي محمود نصّار

فِي أجواءٍ مِن الفَرحةِ والبَهجَة، استَقبلتْ بلدةُ كفَررمان ،قبلَ أسَابيع ، مَولودَها الجَديد “عليّ الطّاهِر”، إذْ أشعلَ هَذا الإسمُ وسائلَ التَّواصلِ الإجتماعِيّ والإعلَام. لَم يكُن “عليّ الطّاهِر” مُجرّدَ اسمٍ عابرٍ فِي سجلِّ الأحوالِ الشَّخصيَّة، بلْ كانَ تيمُّناً بتلَّةِ “عليّ الطّاهِر” الَّتي حملَت بينَ سُفوحِها حِكايةَ أبطالٍ قدّمُوا أنفُسهُم قَرابيناً للوطَن. لكِن لمَاذا تحوَّل هَذا الإسمُ إلَى قضيَّةٍ سِياسيَّة؟

سُرعانَ ما انتَشرَتْ قِصّةُ “عليّ الطَّاهِر” علَى وَسائلِ التَّواصلِ الاجتِماعِيّ، حتّى دَخلتِ المُتحدِّثةُ باسمِ الجيشِ الإس.رائيليِّ “إيلّا واوية” خطَّ الجدَل، وأعلَنتِ انتِقادَها لاختِيارِ هذا الاسم، إذْ أنَّها اعتَبرَت ونَصحَت عائِلةَ الطِّفلِ أنّهُ كانَ بإمكانِهم اختِيارُ اسمٍ يَحمِلُ رِسالَةَ أمَل. فهَل كانَ الاعتِراضُ علَى اختِيارِ الإسم؟ أمْ علَى الرَّمزيَّةِ الَّتي أصبحَ يُمثّلُها؟

لَم يبقَ الجَنوبُ اللُّبنانيُّ مُجرَّدَ بُقعَةٍ فِي جُغرافيا هذهِ الأرْض، بَل غَدا مِساحَةً تَختزِنُ ذاكِرةً وَطنيَّةً مُحمَّلةً بأحداثٍ امتَزجتْ فِيها مَعاني الصُّمودِ والانتِماء، إذْ تَحوَّلتِ التِّلالُ والقُرى إلَى ذاكِرةٍ جَماعيَّة.
وقَد كَشفتْ قصَّةُ “عليّ الطَّاهِر” واقِعَ لُبنانَ اليَوم، حَيثُ تَتداخَلُ السِّياسةُ بالأمْن، والقَراراتُ الدّوليّةُ بتَفاصِيلِ الحَياةِ اليَوميَّة.

وَمُوازاةً لهَذا الجَدَل، تَتَّجهُ الأنظارُ إلى زيارَةِ رَئيسِ الجُمهوريَّةِ جوزاف عون إلَى الوِلاياتِ المتَّحدةِ ولقائهِ الرَّئيسَ الأمريكيَّ دونالد ترامب. فهَل سيَتمكَّنُ الرَّئيسُ اللُّبنانيُّ مِنِ اغتِنامِ هذِهِ الفُرصَةِ لتَثبيتِ وَقفِ إطلاقِ النّارِ والانسِحابِ الإس.رائيليّ؟ أمْ سَيعودُ كَما رَحلَ خاليَ الوِفاض؟

لَم تُعلَن حتَّى الآنَ أيُّ اتِّفاقاتٍ أو مُساعَداتٍ جَديدَةٍ للُبنان، لكِن بِحسبِ المَعلومَات، فإنَّ اللِّقاءَ بَينَ الرَّئيسَينِ اللُّبنانيِّ جوزاف عون والأمريكيِّ دونالد ترامب شَهدَ تأكيداً علَى تَعزيزِ الشَّراكةِ اللُّبنانيّةِ الأمريكيَّة، ودعمِ المُؤسَّساتِ اللُّبنانيَّة. بالإضافَةِ إلى بَحثِ ملَفّاتِ الاستِقرارِ الأمنِيّ، وضَرورةِ الانسِحابِ الإس.رائيليِّ مِنَ الأراضِي الَّتي لا تَزالُ تحتَلُّها. فَهَل ستَحمِلُ اللِّقاءاتُ الدَّوليَّةُ بَينَ طَيّاتِها تَغييراً جذرِيّاً؟ أم أنَّها سَتَبقى ضِمنَ إطارِ البَياناتِ الدِّبلوماسيَّةِ المُعتادَة؟

وبالعَودةِ إلَى الجَنوب، فإنَّ انتِشارَ الجَيشِ اللُّبنانيِّ كانَ مَطلَباً أساسِيّا، إذْ تمَّ تَفعيلُهُ في بَلدةِ زَوطرِ الغَربيَّة الَّتي كانَت شبهَ مُحتَلّة. فَهل سَيشكّلُ هَذا الانتِشارُ بِدايةً لاستِعادَةِ حُضورِ الدَّولةِ بشَكلٍ كامِل؟
علَى الرُّغمِ مِن أنَّ هذهِ الخُطوَة، تَحمِلُ دَلالاتٍ سياسيَّةً وأمنيّةً مُهمَّة، فإنَّها تَبقى اختِباراً لقُدرةِ الدّولةِ علَى تَثبيتِ سُلطتِها. فنجاحُ هذا المَسارِ يتطَلّبُ انسِحاباً مِن باقِي المَناطقِ اللُّبنانيَّة، وتهيئةَ الظُّروفِ لعَودَةِ الأهالِي والبَدءِ بعَمليَّةِ إعادَةِ الإعمَار.

فِي بلدٍ أنهَكتهُ الأزَمات، لَم يعُدِ المُواطِنُ اللُّبنانيُّ يَكتَفي بالصُّورِ والمُصافَحات، بَل باتَ يَنتظِرُ نَتائجَ مَلموسةً تَنعَكسُ علَى الأمنِ والاستِقرار. وبَينَ اسمِ طِفلٍ في كَفررُمّان واجتِماعاتٍ في واشِنطُن، يَبقى الجَنوبُ العُنوانَ الأبرزَ لاختِبارِ قُدرةِ الدَّولةِ علَى تَحويلِ الوُعودِ إلَى خُطواتٍ مَلموسَة. فَهَل سيَدخلُ لُبنانُ بشكلٍ رَسميٍّ مَرحلةً جَديدةً عُنوانُها الدَّولَة والاستِقرار؟ أمْ أنَّ المِنطقةَ سَتَبقى أسيرةً للُغةِ الحَربِ والرَّسائِلِ المُشفَّرة؟