بقلم: نيللّي جهاد كولكو
تدقيق: هادي محمود نصّار
في كُلِّ عَام، يَحمِلُ عيدُ الأضحَى مَعهُ أصواتَ التَّكبير، ورائحةَ القَهوةِ صَباحا، وضَحِكاتِ الأطفالِ وهُم يَرتَدونَ ثِيابَهُم الجَديدة. لكن في لُبنان، تَغيّرَ وَجهُ العيدِ وتَبدَّلَت مَلامِحهُ تَحتَ وَطأةِ الحَربِ والخَوفِ والنُّزوح. هَذا العَام، لم تَدخُلِ الفَرحةُ إلى كَثيرٍ مِنَ البُيوت، لأنَّ بَعضَ تِلكَ البُيوتِ لم يَعُد مَوجوداً في الأصل. الجَنوبُ يَشتَعِل، والعائلاتُ تَفرُّ مِنَ القَصف، والأطفالُ يَستَيقِظونَ على أصواتِ الغاراتِ بَدَلاً مِن أصواتِ مُفرقعاتِ العِيد. وفِي بَلدٍ يَعيشُ أصلاً انهياراً اقتصاديّاً خانِقا، جاءتِ الحَربُ لتَسحَقَ ما تَبَقّى مِن قُدرةِ النّاسِ على الاحتِمال. فكَيفَ يُمكِنُ لِعيدٍ أن يولَدَ وَسطَ هذا الدَّمار؟
العيدُ فِي مراكزِ النُّزوح
في المَدارسِ والملاجِئ الّتي تَحوَّلَت إلى مَراكزِ إيوَاء، بَدا العيدُ مُختَلِفاً وقاسِيا. آلافُ العائلاتِ اللُّبنانيَّةِ افتَرشَتِ الأرضَ بَعدَما خَسِرَت مَنازِلها أو اضطُرَّت إلى الفَرارِ خَوفاً مِنَ الغَارات. الأطفالُ الَّذينَ كانوا يَنتَظِرونَ الألعابَ والثِّيابَ الجَديدة، وجدُوا أنفُسَهُم ينتَظِرونَ المُساعداتِ الغذائيَّةَ والبَطّانيّات. بَعضُهُم لم يَفهَم مَعنى الحَرب، لكنَّهُ أدرَكَ جَيِّداً أنَّ العيدَ هذا العامَ بِلا زِيارات، وبِلا حَلويّات، وبِلا بَيتٍ يَعودونَ إليهِ مسَاء. وبَينَما كانَت أصواتُ التَّكبيرِ تُرفَعُ في المَساجِد، كانت أصواتُ الطّائراتِ الحَربيَّةِ أعلى مِن كُلِّ شَيء، وكأنَّ الحَربَ قَرّرَت أن تَقتَحِمَ حتّى المُناسباتِ الدِّينيَّةِ وتَسلُبَها مَعناها الإنسانِيّ.
الحَربُ الَّتي تَلتَهِمُ الحَياةَ اليَوميَّة
لم تَعُدِ الحَربُ في لُبنانَ مُجَرَّدَ خَبَرٍ عاجِلٍ أو حَدَثٍ عابِر، بَل تَحوَّلَت إلى جُزءٍ مِن الحَياةِ اليَوميَّة. النّاسُ باتوا يَعيشونَ على أعصابِهِم، يُتابِعونَ الأخبارَ أكثرَ مِمّا يتابِعونَ تَفاصيلَ حَياتِهِم. في الجَنوبِ والبِقاعِ والضَّاحِية، أصبَحَ الخَوفُ عادَةً يَوميَّة: أمٌّ تُخبّئُ أطفالَها عِندَ كلِّ غارَة، وأبٌ يُحاوِلُ تأمينَ الخُبزِ وَسطَ الغَلاءِ والانهِيار، وشَبابٌ يَعيشونَ بَينَ احتمالِ النُّزوحِ أو المَوت. الحَربُ لم تُدَمِّرِ الأبنيةَ فَحَسب، بَل دَمَّرَت الشُّعورَ بالأمَان، وسَرَقَت مِنَ اللُّبنانيينَ أبسطَ حُقوقهِم: أن يَعيشُوا يَوماً عاديّاً بِلا خَوف.
دَولةٌ غائِبَةٌ وشَعبٌ يُواجِهُ وَحدَه
وسطَ كُلِّ هَذا الخَراب، يَطرَحُ اللُّبنانيونَ سُؤالاً أكبرَ مِنَ الحَربِ نَفسِها: أينَ الدَّولة؟
في وَقتٍ يَعيشُ فيهِ النّاسُ أسوَأ أزماتِهمِ الاقتِصاديَّةِ والإنسانيَّة، تَبدو المُؤسَّساتُ عاجِزَةً أو غائِبَة، فيمَا يَعتمِدُ كَثيرٌ مِنَ الأهالِي على المُبادَراتِ الفَرديَّةِ والجَمعيّاتِ لتَأمينِ أبسَطِ مُقوِّماتِ الحَياة.
العيدُ الَّذي كانَ مُناسَبةً للفَرحِ والتَّلاقي، تَحوَّلَ إلى مَوسِمٍ للقَلَقِ والخَسارَة. حتّى الأضاحِي الَّتي تَرمُزُ إلى التَّكافُل، غابَت عن مَوائِدَ كَثيرٍ مِنَ العائلاتِ الَّتي لم تَعُد قادِرَةً على شِراءِ الطَّعامِ أسَاسا.
كأنَّ اللُّبنانيّ تُرِكَ وَحدَهُ في مُواجهَةِ الحَرب، والفَقر، والنُّزوح، مِن دونِ أيِّ حِمايةٍ حَقيقيَّة. في لُبنانَ اليَوم، لا يُشبِهُ العيدُ صُوَر الأعيادِ الَّتي يَعرِفُها العالَم. هُنا، يَختَلطُ التَكبيرُ بِصَوتِ الانفِجارات، وتَختلِطُ فَرحةُ الأطفالِ بالخَوفِ والدُّموع. الحَربُ لم تَسرِقِ المَنازِلَ فَحَسب، بَل سَرقتِ الشُّعورَ بالطُّمَأنينَة، وحَوَّلت مُناسبَةً دينيَّةً مَليئَةً بالرَّحمةِ والسّلام، إلى مَشهدٍ مَليءٍ بالوَجَع. وبَينَ شَهيدٍ ونازِحٍ ومفقُود، يَبقى اللُّبنانيُّ مُتمَسِّكاً بالحَياةِ رُغمَ كلِّ شَيء، كأنَّهُ يُحاوِلُ أن يُقنعَ نَفسَهُ أنَّ الفَرحَ سَيَعودُ يَوماً ما. لَكنَّ السُّؤالَ الَّذي يَبقى مُعلَّقاً فَوقَ هَذا العِيد: إلى مَتى سَيَبقى اللُّبنانيُّ يَحتفِلُ بالأعيادِ تَحتَ النَّار؟
