علَى رُقعةِ القَدر: حينَ تكونُ الحياةُ مُباراتَكَ الأخِيرة

علَى رُقعةِ القَدر: حينَ تكونُ الحياةُ مُباراتَكَ الأخِيرة

بقلم: ريم محمّد عيد رمضان
تدقيق: هادي محمود نصّار

ليسَ الخُروجُ إلَى هذهِ الحياةِ خَيارا، بَل هوَ رَميةُ نَردٍ ألقَت بنَا فِي مُعتَركِ أرضٍ لَا تَهدَأ، أرضٌ صُمِّمت مُكابداتُها ببرَاعَةٍ تَجعَلُ مِن كلِّ نَفسٍ نَهزِمهُ مَعرَكَة، ومِنْ كُلِّ فَجرٍ نَستَقبِلهُ تَكتِيكاً جَديداً للعُبُور. إنَّ الدُّنيَا لَيسَتِ النَّزاهةَ الّتِي أوهَمتنَا بِها أحلَامُ الطّفُولَة، بَل هِيَ مَيدَانٌ رَماديٌّ تَتصادَمُ فِيهِ الرَّغباتُ بالخَيبَاتِ، ويُرغمُ فِيهِ الإنسَانُ علَى خَوضِ نِزاعٍ مُستمرٍّ ضدَّ المَجهولِ وضيقِ الحِيلةِ. ومَن يُمعنُ النَّظرَ فِي تَفاصِيلِ هذَا الصّرَاعِ اليَومِيِّ يَتجلَّى لَه وَاقعٌ مُدهشٌ يَختصِرُ المَأسَاةَ والجَمالَ في آنٍ واحِد؛ فَهلِ الحَياةُ الدُّنيَا، بكُلِّ زَواياهَا الحَادّةِ وصُعوباتهَا الجِسَام، هيَ مُباراةُ شَطرَنجٍ أزَليَّةٍ نَخوضُهَا ضِدَّ قَدرٍ لَا يَرحمُ الضُّعفَاء؟

تَتَجسَّدُ أُولى مَظاهرِ الشَّطرنجِ في حياتِنا حينَ نُدرِكُ أنَّنا لا نَملِكُ رَفاهِيَةَ الوُقوفِ سُكارى بالذُّهولِ أمامَ ضَرَباتِ القَدَر، بل إنَّنا مَحكومونَ بـ”قانونِ الحَرَكَةِ الإجباريَّة”. كُتِبَ علينا أن نُقدِّمَ التَّضحيات؛ فنَخسرَ أحياناً قِطَعاً عَزيزةً من أرواحِنا، كأملٍ قديم، أو راحةِ بال، أو حتّى أحِبَّةٍ كانَ وجودُهم يُسنِدُ خَلفيَّتَنا، كي نَحميَ فقط بَقاءَنا على قَيدِ الأمل. إنَّ صَدَماتِ الحياةِ ليسَت مُجرّدَ عَبَث، بل هي نَقَلاتٌ مُباغِتةٌ يُنفِّذُها خَصمٌ خَفيّ، تُجبِرُنا على التَّخلّي عن أجزاءٍ منّا لنُنقذَ “مَلِكَ” الفِكرَةِ الّتي نَعيشُ لأجلِها، ولنَستمرَّ في الرَّقصِ على حافَّةِ الهاوِيَة.

وَفي صَلبِ هَذِهِ اللُّعْبَةِ الوُجوديَّة، تَتَساوَى العُقولُ أمامَ حَقيقَةٍ أزليَّة؛ ألا وَهِيَ أنَّ الفَوضَى لا تُهزَمُ إلّا بالبَصيرَةِ وَالصَّبرِ الاستِراتيجيّ. لَيسَ الشُّجاعُ في هَذِهِ الدُّنيا مَن يَندَفعُ إلى الأمامِ بِطَيش، بَل مَن يَملِكُ أناةَ السَّاحِرِ في قِراءَةِ الرُّقعَة، ويَتَعلَّمُ كَيفَ يَستَوعِبُ الهَزائِمَ المَوضِعيَّةَ ليصنعَ مِنها نَصراً كُلِّيّا. إنَّ الخُطوَةَ الخاطِئَةَ في الشَّطرَنجِ قَد تُكلفكَ الرُّقعَةَ بأكمَلِها، وكذلِكَ اللَّحَظاتُ الحَرجَةُ في الحَياة؛ تَقتَضي مِنّا تَركيزاً شَديداً وعُمقاً في النَّظَر، لأنَّ الخِياراتِ الَّتي نَتّخذُها تَحتَ وَطأةِ الصُّعوباتِ هِيَ الَّتي تَحفِرُ مَلامِحَ مُستَقبَلِنا وتُحَدِّدُ ما إذا كُنّا بَيادِقَ تُساق، أم أساتِذةً يُمسِكونَ بزِمامِ المُبادَرَة.

ولا تَكتَمِلُ درامَا الوُجودِ إلّا بتِلكَ اللَّحظةِ الاستثنائيَّةِ الّتي يَتحوَّلُ فيها أضعَفُ مَا فِينا إلى مَصدرِ القوَّةِ المُطلَقة. تَماماً كبَيدَقٍ صغيرٍ يَبدأُ مَسيرتَهُ فِي الشَّطرَنجِ بخُطواتٍ وَجِلة، مُحاصَراً بالتَّهديداتِ مِن كُلِّ حَدَبٍ وصَوب، لَكنَّهُ إن واصَلَ السَّعيَ بثَباتٍ عَبرَ خُطوطِ النَّارِ ووَصَلَ إلى أَقصى الرُّقعة، تَحوَّلَ إلى “وَزيرٍ” يَقلِبُ مَوازينَ المَعرَكةِ بأكمَلِها. إنَّ صُعوباتِ الحَياةِ هيَ المَعمَلُ الأخيرُ الّذي يُصقَلُ فيهِ المَعدِنُ البَشَريّ؛ فالمِحَنُ الّتي تُطحَنُ فيها أرواحُنا ليستْ إلّا الرِّحلةَ الإجباريَّةَ لتِلكَ البَيدَقة، لَعلَّنا نَصِلُ في النِّهايةِ إلى أقصَى طاقاتِنا ونُمارِسَ حَقَّنا الكامِلَ في السِّيادةِ على مَصائِرِنا.

وفي خِتامِ هَذهِ المُباراةِ المُمتدَّة، وقَبلَ أن يُسدَلَ السِّتارُ وتُطوَى الرُّقعة، يَبقى الإنسانُ هوَ الكائنَ الوَحيدَ الّذي يَستَشفُّ المَعنى مِن بَينِ رُكامِ الخَسائرِ والإنجَازات. لَقد أدرَكَ الأوائِلُ أنَّ المُلوكَ والبَيادِق، بَعدَ انتِهاءِ اللُّعبة، يَعودونَ جَميعاً إلى نَفسِ الصُّندوقِ الخَشَبيّ؛ غَيرَ أنَّ القِيمةَ الحَقيقيَّةَ لَم تَكُن يَوماً في نِهايةِ المُباراة، بَل في نُبلِ الطَّريقةِ الّتي لُعِبَت بِها، وفي الشَّغفِ الّذي صُبَّ علَى مُربَّعاتِها السَّوداءِ والبَيضاء. وحينَ تُطوَى رُقعةُ عُمرِكَ ويُعادُ كُلُّ شَيءٍ إلى الصُّندوق، هَل سَتَكونُ قَد لَعِبتَ مُباراتَكَ الخاصَّةَ ببَراعةٍ تُخلِّدُ أثَرَك، أم أنَّكَ كُنتَ مُجرَّدَ بَيدقٍ حَرَّكتهُ أيدِي الآخَرين؟