بينَ العَودةِ المَبتورةِ واللّاعودَة، كابوسُ النُّزوحِ الدّائمِ يُؤرقُ الجَنوبييّن

بينَ العَودةِ المَبتورةِ واللّاعودَة، كابوسُ النُّزوحِ الدّائمِ يُؤرقُ الجَنوبييّن

بقلم: علي رضوان سعيّد
تدقيق: هادي محمود نصّار

بالرُّغمِ مِن عَودةِ شَريحةٍ واسِعةٍ مِنَ الأهالِي إلى بَلداتِهم، لَن تَنطَوي صَفحَةُ أزمَةِ النُّزوحِ في لُبنانَ قَريبا. فبينَ مَن خَسرَ سَقفَ بَيتِه، ومَن فَقدَ مَصدرَ رِزقه، ومَن حاصَرهُ الدَّمارُ والاحتِلالُ ومَنَعهُ مِن العَودَة، لا تَزالُ أثقالُ النُّزوحِ تُرهقُ كاهِلَ آلافِ العائِلات، وتُلقي بظِلالِها علَى البلداتِ الَّتي احتَضنَتهُم علَى مَدَى أشهُرِ الحَرب.

وحَسبَ بَياناتِ المُنظَّمةِ الدَّوليَّةِ للهِجرَة (IOM)، تُشيرُ الإحصاءاتُ إلى عَودةِ أكثَر مِن 741 ألفَ شَخصٍ إلى مَناطِقهِم عَقبَ انحِسارِ المُواجَهات، في حِينِ لا يَزالُ ما يُقارِبُ 412 ألفَ نازِحٍ يَعيشُونَ بَعيداً عَن دِيارهِم. غيرَ أنَّ هذِهِ الأرقَام، لا تَختَزلُ المَأساةَ كامِلَة. إذْ إنَّ العَودةَ لا تَعني دائِماً الاستِقرارَ لمَن باتَت مَنازِلُهُم رُكاما، أو انعَدمَت في بلداتِهِم مُقوِّماتُ الحَياة.

في القَرعُون، إحدَى بَلَداتِ البِقاعِ الغَربِيّ، يَجلِسُ «أبو محمّد» خَلفَ بَسطَةِ خُضارٍ صَغِيرَة. قَبلَ حَوالَي ثَلاثِ سَنَوات، كانَ هَذا الرَّجلُ الخَمسِينيُّ ابنُ بَلدَة كفركلا، يُديرُ ورشَةً للحدادَةِ في بَلدَته، وهِيَ الَّتي كانَت رَكيزَةَ دَخلهِ الأساسِيَّة. أمَّا اليَوم، فَلم يتبقّى مِن تِلكَ الحَقبَةِ سِوَى ذِكرَياتٍ لأرضٍ باتَ الوُصولُ اليها حُلما. وفِي حَديثهِ لِـ«السَّما نيُوز»، يَقولُ: «لَم أكَد أطوِ صَفحةَ خَسارةِ المَنزِل، حَتَّى خَسرتُ ورشَةَ الحِدادَةِ الَّتي كانَت تُعيلُ عائلَتي، والأرضُ الَّتي أفنيتُ عُمري فِيها. أبيعُ الخُضارَ اليومَ لتأمينِ قُوتِ العائِلَة، لكِنَّ أمَليَ الوَحيدَ يَبقَى في العَودَةِ إلى بَلدَتِي مَهما قَسَتِ الظُّروفُ وطالَتِ الأيَّام».

ليسَت حالةُ أبو محمّد إلّا نَموذَجاً لآلافِ القصصِ الّتي تُجسّدُ التَّحوُّلَ فِي مسارِ حياةِ آلافِ اللُّبنانييِّن، ممَّن فرضَت عليهِمُ الظُّروفُ تغييرَ مِهنهِم، والتَّأقلمَ مَع بيئاتٍ جديدَة، وبناءِ تفاصِيلِ عيشِهم مِن نُقطةِ الصِّفر.

فِي المُقابِل، لَم تكُن القُرى المُستضيفَةُ بمعزلٍ عَن شَظايا هذهِ الأزمَة. ​إذْ يُوضِحُ رئيسُ بلديَّةِ القرعون فِي البِقاعِ الغربيِّ، لـ”السّما نيوز”، أنَّ البلدةَ بلغَت إبّانَ الحربِ أقصَى طاقتِها الاستيعابيَّة إثرَ تدفُّقِ أعدادٍ كبيرةٍ مِن النَّازحِين، ولاسيّما مِن بلدتَيّ سُحمر ويُحمر. ​ويلفِتً إلى أنَّ هذَا التَّواجدَ حرّكَ العَجلةَ الاقتصَاديَّة المَحليَّة نِسبيّاً عبرَ تنشيطِ الأسواقِ وزيادةِ الطَّلبِ علَى السِّلعِ والخَدمات، غيرَ أنّ الوجهَ الآخرَ للمشهدِ تمثَّل فِي إجهادٍ كبيرٍ لحقَ بالبُنى التَّحتيَّة، وخاصَّةً شَبكتيِّ الكهرباءِ والمياهِ اللّتينِ لَم تكُونا مُجهَّزتينِ لاستيعابِ هذهِ الكثافَة.

​ورغمَ رجوعِ غالبيَّةِ النَّازحينَ إلى مناطِقهم، يؤكّدُ رئيسُ البَلديَّة أنَّ أزمةَ السَّكنِ لا تزالُ قائمَة، مشيراً إلى أنَّ الشِّققَ المَعروضَة للإيجارِ فِي القرعونِ باتَت شبهَ مَعدومَة. إذ فضَّلت عائلاتٌ عِدّة الاحتفاظَ بالمنازلِ الَّتي استأجَرتهَا خلالَ الأزمَة، فيمَا تحولُ الأضرارُ الجَسيمةُ فِي سُحمر دونَ عودةِ عائلاتٍ أخرَى إلَى ديارِها. تبقَى هذهِ عيِّنةً بسيطَةً عَن مشهدٍ أوسعَ يُرخِي بظِلالهِ علَى مُعظمِ المَناطِق اللُّبنانيَّة.

ومَع حالةِ عدمِ اليقينِ الَّتي نعيشُها اليَوم واستمرارِ تَفاوتِ ظروفِ العَودةِ بينَ مِنطقةٍ وأخُرى، تحوَّلت أزمةُ النُّزوحِ إلى جُرحٍ هيكليٍّ عَميق. فمُعالجَةُ ملفِّ النُّزوحِ لَن تتوقَّفَ عِندَ عودةِ الأهالِي فحَسب، بَل ترتبطُ بتَحريرِ المَناطقِ المُحتلَّة أوّلا، وقُدرةً المَناطقِ المُتضرِّرةِ علَى استعادَةِ مُقوّماتِ الحَياةِ ثانِيا، وهَذا مُرتبِطٌ بمَدى توافُرِ الدّعمِ لإعادةِ الإعمارِ وتأمينِ سُبلِ العَيش. وهُنا يبقَى السُّؤالُ المُقلِق، هَل ستَتحوَّلُ تداعِياتُ النُّزوحِ إلى أثرٍ دائمٍ يُعيدُ تَشكيلَ الخَريطةِ الدِّيمُوغرافِيّة والاقتِصاديَّة للُبنان؟