صرخةُ التُّراب ..

صرخةُ التُّراب ..

بقلم د. ملاك الطّفيلي
تدقيق : فاطمة محمّد صالح الموسويّ

أيُّهَا المُـ.حتلُّ المُتغطرِس، الَّذي أوهمَتهُ قوّة السِّـ.لاحِ أنَّ لَهُ فِي الجُغرافيا مَقاما، ظنًّا مِنهُ أنَّ هَديرَ طائراتِهِ قادرٌ علَى إسكاتِ صَرخةِ الضَّميرِ الإنسانِيّ، وأنَّ تَفتيتَ الحجرِ يُساوي محوَ الوجدَان، تعالَ نُفكِّك معاً وَهمَ الانتِصارِ الَّذِي تلفَّعتَ بِه، فمَا قيمةُ جيشٍ يَرتَعدُ منْ ظلِّ شجرةِ زيتُونٍ عمرُهَا ألفُ عَام؟ ومَا جَدوَى أسطولٍ جوِّيٍّ يخافُ منْ بيتٍ منْ طينٍ يحضنُ طفلاً نائِما؟ وأيُّ نصرٍ ذلكَ الَّذي يُعلنُ حـ.رباً علَى بئرِ ماءٍ لا يحملُ سوَى سرِّ الحَياة؟

إنّكَ تخُوضُ حـ.رباً لا تقترِعُ بهَا جُيوش، بلْ تتصادمُ فيهَا ذاكِرةٌ لَا تُقهرُ معَ غفلَةٍ لا تستَفيق، وتُربةٌ تعرفُ منْ يسقِيهَا بدمِهِ معَ غازٍ يظُنُّ أنَّ الأرضَ تُباعُ وتُشترى. فكيفَ يمكنُ لقوَّةٍ تقُومُ علَى الإرهَـ.ابِ المُنظّمِ والإبـ.ادةِ المُمنهجةِ أنْ تُنتجَ شرعيَّةً تاريخيَّةً أو أخلاقيَّة، وكيفَ لدولةٍ تشيِّدُ وجودَهَا علَى رُفاتِ البُيوتِ ومآقِي الأطفالِ أنْ تدَّعيَ رِيادةَ التّحضُّر، بينمَا هيَ فِي مَكمنِهَا الأعمقُ هشاشةٌ تسَربَلتْ بجبروتٍ زائِف، تبحثُ عنْ شرعيَّةٍ لا تمنحُهَا المـ.دافِع، ولا تُهديهَا إيّاهَا القـ.نابِل؟

لقدْ مرَّتِ البشريَّةُ بفيضٍ منَ الطُّغاةِ الَّذينَ ظنُّوا أنَّ فوَّهاتِ البنـ.اطقِ تمنحهُمُ الحَقّ، وأنَّ تدميرَ الحجرِ يُبيدُ صاحبَ الحَقّ، ولكنَّ الحقيقةَ الَّتي تتعاموْنَ عنهَا بصناعةٍ هيَ أنَّ القوّةَ العاريةَ عنِ الرُّوحِ ليستْ سوَى قناعٍ هشٍّ لجبنٍ مُتأصِّل، لأنَّ الَّذي يخشَى شجرةً لا تحمِلُ سِـ.لاحا، ويرتعِدُ منْ جدارٍ يلفُّ عائلةً نائمَة، ويُعلِنُ الحـ.ربَ علَى ينبُوعِ ماءٍ هوَ سرُّ الحيَاة، ذلكَ الكائنُ يُدركُ فِي صميمِ كيانِهِ أنّهُ دخيلٌ علَى هذَا التُّراب، وأنَّ وجودَهُ المشبوهَ لا يقومُ إلّا علَى استمرارِ قوَّةٍ خارجيَّةٍ يظنُّهَا مُطلَقة، لا علَى جذُورٍ تمتدُّ فِي العُمق، ولا علَى نسبٍ يمتُّ إلَى التّارِيخ.

إنَّ لُبنان، هذهِ البقعةَ المباركةَ الَّتي ظننتَ بقصـ.فكَ أنّكَ تستَطيعُ كسرَ قامتِهَا، هيَ أرضُ العزِّ المتأصِّل، والصُّمودُ الَّذي لا يعرفُ الانحِناء، فقَدْ تحطَّمتْ علَى صخرِهَا الوثيقِ أوهامُ الغُزاةِ عبرَ مُتعاقبِ العصُور، منْ فراعنةٍ قدَّمُوا قرابِينَ الجبرُوت، إلَى رومانٍ حملُوا راياتِ القَيصَر، إلَى عثمانيِّينَ لبِسُوا عمائمَ السُّلطة، وهَا أنتَ اليومَ تأتِي لِتضيفَ اسمَكَ إلَى قائمةِ العابرينَ الَّذينَ سيُمحَى أثرهُم، بينمَا تبقَى الصّخُورُ شاهدةً علَى حضُورنَا الَّذي لا يشطَب.فأنتَ تهدِمُ البيوتَ ظنّاً أنَّ السّقفَ إذَا انهارَ تنهارُ معهُ الذّاكرَة، ولكنَّ كلَّ حجرٍ تُسقطُهُ يتحوَّلُ فِي ميثولوجيَا الوجدانِ إلَى قُبلةٍ جديدةٍ منَ الإصرَار، تتَوَارثُهَا الأجيالُ كأغنيةٍ لا تمُوت، فأنتَ بِهدمكَ المأوَى تَمنحُ هذَا الشَّعبَ إيماناً أعمقَ بأنَّهُ لا بديلَ عنْ هذهِ التُّربة، وأنَّ الموتَ فوقَ ترابِهَا أسمَى منَ الحياةِ تحتَ خيمةٍ صنعتْهَا نيرانُك، لأنَّ الخيامَ الَّتي تُنصَبُ بالرَّصـ.اصِ لا تظَلّ، والمنافيَ الَّتي تصنعُ بالقنـ.ابلِ لا تدُوم.

وتأمَّلْ فِي مشهدٍ منْ مشاهدِ جرمِكَ الأكثرِ بلاغَة، حينَ تقتَلعُ أشجارَ الزَّيتونِ المُعمَّرة، تلكَ الكائناتِ الصَّامتةَ الَّتي شهدَتْ قرُوناً منْ حضُورِنَا، فهيَ أيقوناتُ الصَّبر، وشهُودُ الغيابِ والحضُور، واعترافٌ منكَ ـ رغماً عنك ـ بأنَّ هذهِ الجذورَ ترفضُ يداً غربيةً تمتدُّ إليهَا، لأنَّ الشَّجرَ لا يَنمو لمنْ يغتصِب، والتُّرابَ لا يمنحُ بركتَهُ لمنْ يزرعُ الخرَاب، فكلَّمَا قطعْتَ غصناً نبتَ فِي أعماقنَا عشرَة، وكلَّمَا أحرقْتَ حقلاً اشتعلَتْ فِي الصُّدورِ بذورٌ لا تمُوت.

أمَّا استِهدافُكَ الآبارَ ومنابِعَ المَاء، فذلكَ حيثُ تبلغُ الفجيعةُ ذروتَهَا، وتسقطُ عنكَ آخرُ أقنعةِ التّحضُّرِ المزعومَة، لأنَّ محاربةَ الماءِ هيَ محاربةُ الحياةِ نفسِهَا، ومنْ يقطعُ الماءَ عنْ طفلٍ ويُجفِّفُ عيونَ الأرضِ الَّتي روَتِ الحقولَ لأجيَال، هوَ أعمَى عنْ معنَى الضَّمير، وأصمُّ عنْ صرخاتِ الوجُود، إنَّها ليستْ معركَة، بلْ مجـ.زرةٌ بحقِّ الأزَل، تفضحُ أنَّكَ لا تحملُ فِي جُعبتكَ سوَى صناعةِ المَوت، وأنَّ روحَكَ الجافّةَ لا تعرفُ كيفَ تسقِي، بلْ كيفَ تُحرقُ وتُدمِّر، وكيفَ تحوِّلُ الخُضرةَ إلَى رمادٍ يليقُ بجفافِ ضَميرِك.

إنَّ العُروشَ الَّتي تُشيَّدُ علَى أطلالِ البُيوتِ وتُروى بدماءِ المدنيِّينَ هيَ أكثرُ العروشِ هشاشةً في سجلِّ الزَّمن، فلكَ أنْ تملكََ السَّماءَ بطائرَاتِك، والأرضَ بدبَّابـ.اتِك، ولكنَّكَ لنْ تملكَ يوماً شرعيَّةَ البقَاء، لأنَّ الحقَّ لا يُشترَى بغطرسةِ السِّـ.لاح، وأرضَ العزِّ لنْ تنحنيَ لمنْ يقتاتُ علَى الدَّمار؛ لأنَّ الشَّعبَ الَّذي يزرعُ الحِنطةَ بينَ شظايَا القنـ.ابلِ لا يخافُ المَوت، بلْ يخافُ أنْ يُهزمَ فِي مَعركةِ الوجُود.

لقدْ سلبْتَ الحقَّ بقوَّةِ العتَاد، ولكنَّ الحقَّ لا يضِيع، وسيبقَى لُبنانُ شامخاً رَغمَ الجرَاح، وسيبقَى الإنسانُ علَى أرضهِ يرسمُ العلمَ فوقَ الرَّماد، ويزرعُ الزَّيتونَ بينَ الدَّمار، ويعيدُ بناءَ مَا هدَّمتَ بأيدٍ عاريَة، فِي رسالةٍ صامتةٍ لكنَّهَا أبلغُ منْ ألفِ خِطاب، تقولُ لكَ: نحنُ كُنَّا هنَا قبلَك، وسنبقَى بعدَك، لأنَّ الأرضَ لا تمُوت، ولا يموتُ منْ عشقَهَا، ولا تخونُ منْ سقاهَا بدمِه.

وفِي خضَمِّ هذَا التَّعسُّفِ المُتوحِّش، ورغمَ كلِّ القنـ.ابلِ الَّتي ألقيتهَا علَى البُيوتِ والآبارِ والجذُور، فإنَّنَا نُؤمنُ إيماناً راسخاً بأنَّ الغدَ ليسَ حليفَ منْ يمْتلِكُ الطّائراتِ الأحدَث، بلْ هوَ حليفُ منْ يمتلكُ الحلمَ الأكبرَ والجذُورَ الأعمَق، لأنَّ الحقائقَ الَّتي تحاولُ محوهَا بسلاحِكَ ستظلُّ شاخصةً فِي مِرآةِ التَّارِيخ، وجرائمُكَ مُسجَّلةٌ فِي ديوانِ الضَّميرِ الإنسانيِّ الَّذي لا يقبلُ الرِّشوَة، ولا ينسَى، ولا يغفِر.

فالشّعوبُ الَّتي تتعلَّمُ كيفَ تستخرجُ الأملَ منْ جحيمِ القَصف، وتصنعُ الحياةَ منْ رفاتِ المَوت، وتغزِلُ النُّورَ منْ خيُوطِ الظَّلام، هيَ شعوبٌ كُتبَ لهَا الخُلودُ فِي سجِلِّ الزَّمنِ، أمَّا الكِياناتُ الَّتي تقومُ علَى الظُّلمِ والاغتصَـ.ابِ، فمصيرُهَا إلَى الاندثارِ الحتمِيّ، لأنَّ الأرضَ تمِيلُ دائماً نحوَ منْ يزرعُهَا لا منْ يُحرقُهَا، والماءَ يجرِي نحوَ منْ يرْعَاهُ لَا منْ يُسمِّمه، والشَّجرَ يظلُّ واقفاً حينَ يُغادرُ الغُزاةُ جمِيعا، وتتساقطُ التِّيجَان، وتتلاشَى الخرائطُ المُزيَّفة، وتعودُ الحدودُ إلَى مَا كانَتْ عليهِ قبلَ أوهامِ السَّيطرة.

فارحَلْ ـ أيُّهَا الغَازي ـ أو ارحَل، فإنّكَ هنَا عابرٌ في ليلٍ لنْ يطُول، ونحنُ هنَا جذورٌ فِي عمقِ الأرضِ والأزَل، والجذورُ لا تقتلعُهَا الأعاصِير، ولا ترَوِّغهَا الدّبَّـ.ابات، ولا تُخيفُهَا طائراتُ اللَّيلِ البارِدة، لأنَّهَا تعلمُ أنَّ الفجرَ آتٍ لا مَحالة، وأنَّ الحقَّ وإنْ تأخَّرَ فإنَّهُ آت، والأرضَ ستبقَى للأبنَاءِ بعدَ أنْ يُغادرَ الآبَاء، وللأحفادِ بعدَ أنْ يرحلَ الأعدَاء، وهكذَا تدورُ الأيَّام، وتتساقطُ الأقنِعة، ويبقَى التَّاريخُ وحدَهُ شاهِداً أبديّاً علَى أنَّ القوّةَ الغاشِمة ـ مهمَا علَتْ نارُهَا ـ إلَى زوالٍ محتُوم، وأنَّ العِزَّة ـ مهمَا تعذَّرَ نيلُهَا ـ إلَى خُلودٍ لا ينقطِع، لأنَّ اللهَ جعلَ الأرضَ لمنْ يخافُهُ ويخشَى جَوره، لا لمنْ يبنِي مُلكهُ علَى عِظامِ الأبريَاء.

فهلْ يليقُ بتاريخِ الأرضِ أنْ يكتبَهُ منْ لا جذُورَ لَهُ فيهَا؟