بقلم: علي رضوان سعيّد
تدقيق: هادي محمود نصّار
لا تُقاسُ الصُّوَرُ في الحروبِ بِما يَظهرُ فيها، بل بِما تَمنَحُهُ مِن شرعيَّة. ولهَذا لَم تَكُنِ الصورةُ الّتي جَمَعَت رئيسَ مجلسِ إدارةِ بنكِ سوسيتيه جنرال، أنطون الصحناوي، برئيسِ الوزراءِ الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو، حدثاً يُمكنُ المرورُ علَيه. فنتنياهو هو رأسُ الدّولةِ الّتي ارتَبطَ اسمُها بِحربِ الإبادةِ وما خَلَّفتهُ مِن قتلٍ ودمارٍ وتهجِير. وكلُّ ظهورٍ إلى جانبِه، ولا سيَّما مِن شخصيةٍ لبنانيةٍ نافِذة، يخرجُ حُكماً مِن الإطارِ الشّخصيِّ إلَى المجالِ السّياسِي.
الإشكاليَّةُ لا تَكمُنُ في مكانِ التقاطِ الصّورةِ أو المُناسبةِ الّتي جَمعَتِ الطَّرفين، بَل فِي مَضمُونها السِّياسيّ. فالاحتِلالُ لا يَخوضُ حروبَهُ بالنّارِ وحدَها، بل بالصُّورةِ أيضاً. وبينَما يَسعَى إلى كسرِ عُزلتِه وإعادةِ تَقديمِ قادَته كشُركاءَ طَبيعيّينَ علَى السّاحةِ الدُّوليّة، تُصبحُ كلُّ صورةٍ مع شخصيّةٍ عربيّةٍ أو لُبنانيّةٍ جزءاً مِن هَذا المَسار، سواءَ قصَد أصحابُها ذلِك أم لَم يقصِدوه.
لذلِك، لم يَكُن عبثاً أن تتلقّفَ وسائلُ الإعلامِ الإسرائيليّةُ هذهِ اللقطةَ وتمنحَها مساحةً واسعة، لأنها تحملُ مشهداً يوحي بأن آثارَ الحربِ لا تمنعُ الجلوسَ مع مَن قادَها، وهذا ما يحتاجُهُ نتنياهو. وما يجعلُ الصورةَ أكثرَ استفزازاً هو هوّيةُ الطّرفِ الآخرِ فيها. فأنطون الصّحناوي ليس رجلَ أعمالٍ عابر، بل أحدُ أبرزِ وجوهِ القطاعِ المصرفيِّ الّذي يتحملُ مسؤوليةَ الإنهيارِ الماليِّ وضياعِ الودائِع. وهكَذا، جمعتِ الصّورةُ بين وجهينِ شكَّلا، كلٌّ بطريقتِه، جزءاً مِن واحدةٍ مِن أكثرِ المآسي الّتي عاشَها اللُّبنانيّونَ فِي السّنواتِ الأخيرَة. الأولُ ارتبطَ بِحربِ إبادةٍ خلَّفتِ الدمارَ والضَّحايا، والثًاني بمَنظومةٍ مصرفيّةٍ انتهت بتبخُّرِ مدّخراتِ النّاسِ وانهيارِ ثقتِهم بالدّولةِ والقِطاعِ المَاليّ.
مِن هُنا، تتَحوّلُ الصُّورةُ إلَى مَشهدٍ سِياسيِّ كامِل. فهِي لا تمنَحُ الاحتِلالُ فُرصةً دعائيّةً فحَسب، بَل تكشِفُ أيضاً عَن أزمةٍ داخلَ جُزءً مِن النُّخبِ اللُّبنانيَّة، حيثُ تبدُو المَصالحُ والعَلاقاتُ العَابرةُ للحُدودِ أحياناً أكثرَ حُضوراً مِن أيِّ اعتبارٍ وَطنيٍّ أو سِياسيّ.
وفِي لحظةٍ لا تزالُ فيهَا الحربُ مُستمرَّة، وآثارُ الإنهيارِ الماليِّ مَفتوحَة، يُصبحُ الصَّمتُ علَى مثلِ هذهِ المَشاهِدِ نوعاً مِن التَّطبيعِ مَع فكرةِ أنَّ كلَّ شيءٍ قابلٌ للتَّجاوز، حتَّى الذَّاكرةُ نفسُها. وهُنا لا بُدّ مِن سؤالٍ بديهيّ، عندَما يلتقِي علَى طاولةٍ واحدةٍ مَن ارتبطَ اسمهُ بتَدميرِ لُبنان، ومَن ارتبطَ اسمهُ بانهيارِ مُدّخراتِ اللُّبنانييّن، فهَل نحنُ أمامَ مُصادفَة، أمْ أمامَ تعبيرٍ صريحٍ عَن طبيعةِ شبكةِ المَصالحِ الّتي تتجاوزُ حدودَ الحربِ والوَطنِ معاً؟
